زُهْرَ الكواكب حجَّةَ الأحقابِ
هل فيكِ من حرِّ الصبابة ما بي؟
سهرتْ جفوني الليل، أنشد في الدّجا
مجد الجدود وضائعَ الأحساب
ماذا الذي تلقيْنَ، حتى تَسْهدي
سهدي؟ أسقمًا أم نوى الأحباب؟
وَجْدي يكلّفني الكُدى وأذى النوى
وجلادَ مَتْعبة، وخوضَ عباب
ويهيب بي إمّا غفوت، وما غفوْ
تُ، عن الأحبة، لو قرأتِ كتابي
إني أمرؤٌ يضنيه وجْدٌ بالذي
يهوى فشأني ما علمتِ ودابي
وجْد بأمته وعهد سالفٍ
كان الهدى في ظلمة الأحقاب
عهدٌ لها كالبدر في غسقٍ، سرَى
فيه الأنام على هدًى وصواب
من ذا الذي يروي أحاديث العلا
عنهم، ولا يختال في إعجاب
خلُق كأزهار الربيع، منزّه
عن عهدةٍ تصِمُ الكمال وعاب
وفضائل كالزهر في الظلماء أو
كالزَّهر ينبت في ذرًا وروابي
وفعالُ صدقٍ بالمآثر حافلٌ
ريّان بالشرف العليّ الآبي
ومكارمٌ عمّوا بها الدنيا فسَلْ
ما حرّروا من أعبدٍ ورقاب
واستفهم التاريخ عما ذللوا
بالصبر من مرقى أبٍ وعقاب
واستنطق الأطلالَ عن أمجادهم
تنطق بفخرٍ عابقِ الأطياب
واستفت آياتٍ لهم ثبتت على
نوب الزمان رفيعةَ الآداب
واستوضحِ الآثار يُصْبك ما ترى
فتَعُدْ عميدًا بالجمال السابي
واستجل ما لعبَتْ به أيدي البلى
من ماثلٍ يصبو إليه الصّابي
في كلّ إقليم من الدنيا لهمْ
أثر يشير إلى الضياء الخابي
سُعِدَ الزمانُ بهمْ، وأخصبتِ العُلا
وأبلّتْ الدّنيا من الأوصاب
ومضى لسان الحقّ بعد كلاله
وأقيلَ عثرته الخلاق الكابي
وأصاب شاكله الصواب موفّقًا
من بعدِ نَبْوته الحسامُ النابي
والظلم كان، كما الظلام مخيمٌ
في ليلةٍ مسودّةِ الجِلْباب
كفرَتْ حنادسُها النجومَ فعمّيَتْ
سبُلُ الهدى فيها على الجوّاب
أيام كان الناس عُبدان العصا
يُسقَوْن صِرْفَ الهون بالأكواب
ويسوقهم كالشاء راعيهمْ إلى
ذلّ الحياة وشِقوة وتَبَاب
حيث الدماء تُراق في سبُل الهوى
بصوارمٍ فيها الردى وحِراب
هُرِقتْ لتُشفي غلّ مَلْكٍ ظالم
ينهى ويأمر من وراء حجاب
أيام كل الجهل مسلولَ الظُّبا
فوقَ الرؤوس يصول بالإرهاب
فيذيق أحرار النهى كأس الردى
ويسومهم خَسْفًا وسوء عذاب
حتى إذا دار الزمان أغاثهم
فتْح الجدود برحمة القرضاب
فأقام صرح العدل مرفوعَ الذرا
فيهم، وهدّم دولة الأرباب
فأظلَّهمْ كنفُ السعادة والهنا
بعد الشقاوة والأذى الوثّاب
وسُقوا كؤوسَ حلاوة العدل الذي
يحيي المنى، بعد العنا والصّاب
يا أيّها الخلَف الفخور بهم، ألم
يبلغْكَ عهد أولئك الصُيّاب؟
كانوا لهذي الأرض غيثًا مخصِبًا
يُحيي، وكُنّا علّةَ الإجداب
سلفٌ أمام الناس قد ساروا الوحى
والخلْف ساروا خلف كلّ ركاب
خطّوا لنا نهْج الهدى، فأبى لنا
ورْدَ العلا داعي الهوى الخلاّب
والعرْب بعدَ ركائبِ العزِّ امتطَوا
لهو الحياة وغاربَ التلعاب
فهوَوْا على الهامات من عالي الذرا
خُضُعَ الرقاب ، مقطّعي الأسباب
ما إنْ لهم بعد الجدود مفاخرٌ
يعلو بها رأسُ الهُمام الآبي
إن يفخروا فبما مضى من عزّهم
فخرَ العبيد بسادةٍ أنجاب
يا من يباهي بالقديم، وحالُهُ
يوم التنافر فارغُ الأوطاب
ماذا يفيدك غابر، إن لم تقم
للمجد أنت، تخوض كل عُباب
وتعيد بالماضي إذا صدق الهوى
ماضي المكارم بعدَ طول غياب
فتعود للربع الحياةُ سعيدةً
كالروض يُنعَش ذابلاً بسحاب
صِلْ عهد من غبروا بعهدٍ مثله
فتسودَ بالأحسابِ والأنساب
هذي سبيل المجد، إن رمْتَ العلا
ما للمخادع والهوى الكذّاب
لله والأمجادِ والتاريخ ما
شاد الجدود لنا من الأحساب
فتحوا المدائن والعواصم والقرى
بأشاوسٍ تحكي أسود الغاب
ما كان مصقولُ المواضي وحدَه
يوم الكريهة فاتحَ الأبواب
إن كان في يُمنى اليدين حُسامُهمْ
فالعدل في الأخرى، وسيعَ الباب
أيّ أمرئ يقرأْ صحائف مجدهم
يعشقْهمُ رغم الهوى الغلاّب
قالوا تحبّ العرب؟ قلت أحبّهم
حبّاً يكلّفني دمي وشبابي
مهما لقيت من الأذى في حبّهم
أصبرْ له، والمجدُ ملء إهابي