وأنت
تتطهر من حرقة الانتظار
والليل البحري يوهم صاحبه
إن الماء يضيء قمرا حزينا
على قمة الظلام...
العالق في السطوح القديمة
يغازل ابنة الجيران
على الشرفات المطلة صوب البحر
يمتد البحر ليلا طويلا أتعبه السهر
والصيد يرقب شباكه من عودة الصدى
وشيخوخة الأصوات المعروفة منذ البدء
تقر أن الماء عازم على خوض
نزال الموج والسفن الغارقة
يصطدم الموج بكائنات تلبس الليل
غطاء لعيون لا ترى إلا أشباحها
على خيوط النجوم
يمتد الفرح الطفولي في الأزقة الضيقة
وصراخ الأطفال حول اللعبة الذابلة
تشاكس لون الأشياء والجدار
المحيطة بذاكرة النسيان
والمجابهة الصامة على حدود
المغادرة نحو متاريس المكابدة
لتعرف حقيقة الوطن الضائع
وانت
تسمع البحر
يرسم أبجديات مثيرة للدهشة
ويخذل مغامرات طائشة
على تخوم السواحل القادمة
في اتجاه الموج
وخلف بوادر العاصفة
لا تقوى سفن البطولة
أن ترفع رايات نصر
وفتوحات مؤجلة على رصيف الذكريات
شعرت أن جسدك ينشطر نصفين
واحد لك
وآخر تلاشى في المحيط
أدركت أن الماء يلامس أعضاءك كلها
واشرأب على محاربة الموج
حيث الرؤية تغطي وجه الحقيقة
يتكرر المشهد تباعا
وان الماء يحاول أن يفضح صاحبه
وترك الصيد جانبا..
ويعد حبات رمل في التيه
والأشياء العادمة
من شمس أحرقت وجه هذا المكان
لا مديح يعلو فوق نواح مأثم
تجرها قوارب متآكلة
تطلب العفو من قاتلها
وأنت
في شرودك
عجوز طوال اليوم
يعود الصدى ثانية
في شكل الاحتواء
ومحاصرة الملوحة خارج الجرح
وتبقى الذاكرة في صفاء المياه العذبة
تنعش روايات الغاضبين
عبر التواريخ المزدحمة
يعلو الصراخ فوق التل
تنزلق الرطوبة من ثناياه
كلما حاولت تسلقه
تعود من حيث أتيت
تقاوم إحساس اليأس
الراكض في صدورنا
تحاول ثانية
تعيد الكرة من جديد
لا جدوى في الصعود
ولا في معنى المناصفة
حول قرار المصالحة والممانعة
والملفات القديمة
تهرب الحروف
من محاكمة آجلة
حين ترى في صاحبها
يستمر في إعادة نفس الصورة
وعلى منوال الكلمات القاتلة
وأنت
تسمع للبحر
يدون أسماء الغارقين
في أكفان مرفوعة إلى السماء
والناجون من الموت
يجلسون على عرش نصفه ماء
ونصفه الآخر مرمرية الحسان
وما تبقى من عهد الأنبياء
والهواء يضغط في اتجاه الريح
وفوق العاصفة يفشل في اختراق الصخر
ورخامية المكان تنزل سيفا
خارجا عن السيطرة
سيطرة الأعداء والكلمات المهجورة
في شفاه كبرياء الفقراء
يجرح الصمت الآبي عيون دامعة من السهر
أمام قصور قديمة يحن الخبز إلى صاحبه
والوجوه لا تحمل ملامحا ونضارة فقيه
تائه في صحراء الدعاء
تفقد المتعة بريقها الأرجواني
فوق أثير كلمات ناقصة
ويوضع الملح في نهاية المهرجان
على شريحة لحم فاسدة
يبدو المشهد مسالما
غارقا في هموم الآخرين
يظهر الرجل هادئا إلى حد النسيان
ويختفي فجأة عن الأنظار
وأنت
تحسبه مسافرا في متاهات
الريح والموج
والصخب الرطب على سطوح ذاكرة تفقد
بريق صور ورائحة منسية في
الأماكن الموشومة بالجرح وانفعالية اللحظة
لا حدود للزرقة ولا وجود لليابسة
ارض تحمل مائها فوق ظهرها وتنكمش
تعطيك انطباعا أن الماء سيد الأرض
والأرض خادمة مطاعة لهذا الوجود
الماء روح الأرض
والماء تربتها
لا شيء يغدو مألوفا
دون أن يلمس وجه الماء
الماء هواء مفعم بالرطوبة الزائدة
يبحث عن مجرى الحياة في العروق
والجذور الممتدة على شريط الأحداث
تبدأ إشارات المعجزة
قلت للامس
ماذا تبقى لنا من عطش وسراب الكاذبين
الموت بساط رمادي يغطي الأجساد
الأسنة
فوق بركة ماء تغيرت ألوانها كل مساء
كل مساء
وتعاويذ صلاة مفقودة خارج نص التلاوة
وانت
تكشف خبث القراءة
ومرارة المشهد
وانت تمسح كفك بما تبقى من دعاء
تخرج الجنائز طوابير موت
تحمل صمت المكان
وذاكرة تحاول ذكرى أحداث ولا تستطيع
رؤيتها بشهامة بطل عجوز يروي
تفاصيل البطولة المفقودة
في تواريخ الولادة الجديدة
في رحم الأمهات تنعدم الصورة بوضوح
عن شكل المقاومة القادمة
تعلمت من الحر
أن تمسكه بيديك خلف القضبان
وتستمر في الاحتجاج
وما يدركه الطير في السماء
تصلك الأخبار عن حجم الكارثة
وفحوى الخطاب
وانت
قد تسقط من علي
لكنك ما تزال في الطريق
تواصل زحف المشاة على مقبرة التاريخ
وانت يا صاحبي... أما زلت
تقتل من يحمل راية السلطان
ومن لا يحملها
ما تفه الحياة
حين يمتد سيف المحبة بقطع الأعناق البريئة
ذنبها إنها تحاول أن تنتمي إلى هذا الوطن
يعتقد التاريخ أن الإبادة الجماعية
تخمد نار الثورة
والحطب يوقد من جديد
تحت الأجساد المطرزة بالضرب والموت
من يعتقد أن القتل شعار
لفتح أبواب المنفى خلف الحدود المجاورة
كم نحن أغبياء في حق انفسنا
حين نرفع السلطان فوق أكتاف الموتى
والجثث المتشردة على باب القيامة
ويظل الباب العالي
موصدا في وجه الشعب
خاسرون في الرهان الجديد
من يلعب بالنار والحديد
اللعبة بدأت
وأشرفت على الرحيل
ولا احد يستطيع أن يمد
في عمر السلطان المديد
ما دامت الأيادي ملطخة بدماء الشهداء
والإصرار العنيد
والموت يتبرا من قاتله
كيف تأخذ الروح ثأرها
وتستريح الروح على تخوم الشام والقرى المجاورة
من يجلس على رفات وطنه انهكه الجرح والدم الذي يسيل
تسقط الجثث ناضجة
على ارض موسومة بغضب طفولي
ومن وحشة السؤال
الغارق في دماء الأجوبة المؤجلة
تخجل النتوءات البارزة على شقوق أسوار
تخلد بطولة الفرسان
وعنترية الجلادين في ساحات المدينة
وعلى أسوار بابل كانت الشمس
تضع الملح البحري على عينيها
حتى لا ترى العين في نومها
بدم العذراء لم تحدد
الطبيعة ملامح صدرها
ولا شهوة الغزاة
على بحر ترصده عيون القراصنة
وتجار العبيد على مشارف مدينة
تقاوم سباتها الطويل
وتعلن موسم الحكي
والهرج البدائي عن معنى الحياة
حين تحاكي موتها المعان
في وجه فوهة البنادق التي ترصد
أبناء هذا الوطن
والعروبة الطاحنة لمعنى الانتماء
تواصل الجثث بالسقوط
وعلى مرمى الوطن
وطن يعادي وطن الأعداء
في بلد يحمل على كاهله لغة عربية
وانت
رهن الاعتقال المفتوح
على قنوات فضائية
البوح المكشوف أمام مقصلة التريخ
والحاكم المتعجرف تكبر في يده
مقابر جماعية على حافة كفه تجلس الأم المكلومة
والصراخ يحن إلى فقبره
وشهية الرصاص في كل مكان
هذا من بطش السلطان
تساند حاشية الوجع اليومي
وطقوس الاحتفال الرافض
لشكل التعذيب وقراص الممانعة
تستهويك عجلة الكلام الفضفاض
فوق مائدة مستديرة
تعاود الكلام من حيث بدا
والعدسة تركز وابلا
على باب لا توصده إلا أيادي خشنة
وقلوب ميتة
وتعلن الخبر الكاذب
وصور خجولة من نفسها
تذهب في المتاه الأخير
وترفض الحقيقة الواضحة بلا رسم وبلا عنوان
يأتيك القتل مطرا غزيرا يشق الصدور
ويفتح جهنم الدنيا في كل مكان
تأتيك الصورة كاملة
عارية من صدق الانفعال
والمشاهدة الهادئة
تعطيك الانطباع الأولي
أن المسافة الفاصلة بين الوطن والأرض
سوى طلقات رصاص وتدريب الجند على القتال
وما تبقى من الشعب
يصلح لتدريب جديد للرماة وهواة الصيد
كيف يتحول الشعب إلى عدو وطنه
يعود القصف من جديد
ويعلق التاريخ كتابة نفسه
ويعجز عن صد الرصاص
والموت في كل بيت عربي
سألت الوت عن قتلاه
بدا سعيدا وعل محياه فرحة نادرة
وعلى مرمى الشوارع
تبتسم الوجوه في طريق الجنان
تسخر من يد الجلاد ومن قتله
تسخر العروبة من حدود اللسان
والبشرة الداكنة
وانت...
في الشرفة تراقب غروب شمس
تفتح شهية القتل في كل مكان
وتقاوم الشمس فضاحتها
في كل شروق جديد
تكشف عن تاريخ المهزلة
ماذا تبقى من الحقيقة
حين يراد لها
أن تكشف عن أوراقها كاملة
ماذا تبقى من القتل
وتهشم العظام على ملتقى شارعين
كيف تحمل جرحاك
وتدفن موتاك في آن واحد
يختلط البكاء بصوت المنفى
وقوافل الهجرة المكشوفة
للوطن وللأعداء
الأرض لم تعد تحتمل ركوب نفسها
ولا وضع التراب على وجوه قتلاها
ماذا تبقى مني ومنك
ومن وطن لا يحترم معنى الانتماء
ومن سلطان خانته الذاكرة
وتسللت إلى قلبه برودة الطغاة
في قتل الأبرياء
أي قيامة تحمل وزر نزلائها
وكم هو ثقيل دفتر الأغنياء
في الاعتقاد السائد
أن السلطان حاكم جاحد وان غاب فهو عائد
لا يفهم التاريخ عودة الصور
من جحر الحجر الباهث
ومن شقوق الجدران المهملة
في وجه الزمن والريح
من منا يحمل قلبه جانبا
ويستريح
من عبء الهول والنكسة المعلقة
على أهداب عجوز شمطاء
تقرا تعويذة الصباح
حتى لا تشرق الشمس قبل النواح
ويسود غيم اسود اللون
يغطي وجه المكان