أتسترجع الماضي بفيض المدامعِ
أَنَاتَكَ ما الماضي إليك براجعِ
وتضْرعُ يا قلبي وليس بمنقذ
من القدر القاسي توسلُ ضارع
تركت الصبا غضّاً وزايلت دوحه
وريقًا نديَّ العود ثرَّ الينابع
وأقبلتُ والدنيا بعينيَّ دارعٌ
شديد القوى يلقى امرأً غير دارع
فكل متاع أبسطُ الكف دونه
أوافي به خلق السراب المخادع
مدَدْتُ يدي للرزق وهْي غنية
بأسبابها فاختانها سوء طالعي
وراودني في ترك نهجي مَعاشرٌ
لهم مذهب لا ترتضيه نوازعي
ولو أن لي عقلاً يرى ما يرونه
لباعدت ما بيني وبين فواجعي
ومعهد نورٍ ضم منيَ ظامئاً
له في الهدى والنور أجلى مطالع
فمازلت أجني طيِّبًا من ثماره
وتورِدُني دنياه خير المشارع
وما همّني فيه غدوِّي ورَوْحتي
بمستعر من وقدة الشمس لاذع
أضم إلى صدري سجلاً زحمته
حواشيَ حتى خلْتُه مهْدَ يافع
وراضت ذكائي مشكلات دروسه
ووافت فؤادي بالحسان البدائع
وعلَّمَني نسج البيان فجِئتُه
حفاظاً على النعمى بأضفى الخلائع
فما كانت العقبى لنفسٍ تعده
مناط رجاء مثمر النبت يانع
أناخ بها ما لو أناخ بغيرها
لآمن أن العلم ليس بنافع
أَبَى القوم إعطائي المطالب قسوةً
فأعرضت عنها كِارهًا غير طائع
وقالوا هو القانون أَرتَجَ بابها
وهل عُدِّل القانون إن كان مانعي
وما لي بها من صبوة غير أنها
لتحقيق ما أرجوه بعض الذرائع
وفي ذمتي للشعب خير وديعة
وإنَّ بها - لا غرو - رد الودائع
لقد سامني أهل الشريعة خطة
من الظلم يأباها جمال الشرائع
ولما رأيت الدهر سد مسالكي
وأنيَ لا أرضى سبيل التراجع
قنِعتُ بحظي في الأبيِّض سلوةً
وان لم يكن مانلته حظ قانع
وأيقظتُ في دنيا المشاعر مزهري
فندت أغانيه تقل مدامعي