تداركْ صلاحَ الأمر قبل فواتِ
وحاذرْ فكم للدهر من هفواتِ
وخالفْ جموحَ النفس في شهواتها
وشرِّدْ بها عن مورد الحسرات
ودعْ ذكرَ أيام الصّبا فحديثُه
كروضٍ زها لكنْ بلا ثمرات
تصاممتُ عن داعي الرشاد ونصحه
ولبّيتُ داعي الغيّ والتّبعات
تعاميتُ عن شمس الهداية والتّقى
وأبصرتُ بالعمياء نهجَ غُواة
إلام التّواني والسّهامُ تَريشها
أيادي المنايا والمسوِّف آت
علامَ يروم المرءُ طولَ حياته
ويبني على هارٍ بغير ثبات
غدا يغرس الآمالَ في روضة الفنا
ويبني لمن لا يسكن الحُجُرات
كأنّ له عهدًا على الله بالبقا
فيا للنُّهى والعقل للغفلات
عليَّ يمين الله لا يعرف الفتى
طريقَ نجا من مورد الحُفُرات
فكم صاح في حيٍّ فشتَّت شملَه
وأحرق قلبَ الحيّ بالزّفرات
ولا فرقَ بين الشّيخ والطّفل عنده
ولا بين ذي فقرٍ وذي ثروات
ولا بين ذي قَدْرٍ منيفٍ وخاملٍ
ولا بين ذي صفوٍ وذي كدرات
بلِ الكلُّ في بحر المنيّة غارقٌ
ولو كان في حصنٍ وفي مَنَعات
ولو دام في الدنيا سريٌّ وماجدٌ
لدام بها «طسنٌ» بغير ممات
فتًى كان يهوى المكرماتِ وإنّما
له في المعالي منتهى الرّغبات
فتًى كان كالبدر المنير وإنّما
هو البدرُ بل كالليثِ في السّطوات
فتًى كان مسراه ونشرُ حديثه
كغيثٍ ومسكٍ طيّب النفحات
فتًى كان من نسل الذين تقلّدوا
عقودَ فخارٍ في جميل سِمات
لقد فتّتَ الأكبادَ نعيُ وفاته
فشاب صغيرُ القوم قبل نبات
فكم أعينٍ جادتْ بمُزن دموعها
وواصلنَ صوبَ الليل بالغدوات
وغاضتْ بحيراتُ العيون من البُكا
فسالت مآقيها على الوَجَنات
يحقّ لأكبادٍ عليه تحوّلتْ
نجيعًا أسًى أن تُسعفَ العبرات
يحقّ لأرباب العقول تَولُّهٌ
فما كلّ حينٍ مثله بمؤاتي
وإن كان من دنياه زال فإنّه
بذكراه في مجدٍ وطيب حياة
وما كان في ترك الدّيار بكارهٍ
ولا كُرهت فيها له خطرات
ولكنّما ناداه مولاه للقِرى
فأكرمَ مثواه بفضلِ هبات