نسرين، الإنسان يكبر ويتعب
تنسلُّ منه ذرات السنين
مثل لغةٍ منسية
هجرتها ألسن المتحدثين
مثل ساعة رملية تهشّمت
بهِروات العسكر المتعصبين
يهرم كجلجامش
في جزيرة أوتنابشتيم
يتخلى عن منارات مبدأهِ العظيم
كما تنسلخُ من جلدها الثعابين
ومثل طفل يتيم
يتعرى من براءته القديمة
ويفقدُ سِيماء الطفولة
بعهر إنسان أثيم!
في عالمٍ اليباب والشرور
النضال رحم حبلى
كثيرًا ما تلد الكائن المقهور
فلا تحزني على كبوتي
في مضمار الوجود
لعمري إنه قدرٌ مقدور
لا تنقبي في بئر الزمن المفقود؛
في الدولاب والجارور
جثثُ أحلامٍ وورود!
كلُّ مشاعري دامية العفونة
يتناسل بجراحها الدود
وأنا رجلٌ مكسور
تتأجج بأعماقه العواطف
تغلي حتى فار التّنّور!
فالمرءُ كثيرًا ما ينساهُ النور
كقصائدِ شاعرٍ مغمور
وفي شتاء العمر القارس
يتدثر بطخياء الديجور
وفي عالمٍ مكتظٍ بضجيج البهائم
لا يرى فلم الحياةِ
سوى سلسلةٍ من الجرائم
ولأن العمر منذور إلى سود الغمائم
لأجل حفنةٍ من الدراهم
نخسرُ الروح في قِمارِ الشياطين
ها قد بانت سوأة الصحارى
وما من أوراق تين
لأخصف منها مئزرًا
مُزيّا بزخرفة الزيتون والحمائم
يخفي النبوة عن أعين الجزارين!
نسرين، علام تهربين
من مسخٍ حزين؟
بعض الأرواحِ تضاريسٌ
ترسمُ خرائط الشرّ والأسى
وتضمر الضغينة بلا حدود
في فضاء ضاق بها سدى
كما يضيق بالعقوق والصدود
صدرُ الأب المكدود!
كذلك حالي في الوجود
ظلٌّ تماهى مع العالم الأقسى
وفؤادٌ مذّ هجرتِ أمسى فارغًا
يذكركِ بفؤاد أمّ موسى!
فهل أنتِ من أنبياء اليهود؟!
ومهما تثاءب بمدِّ أذرعهِ
أخطبوط الزمن اللعين
وتخطّت محطاتيَّ قطاراتُ السنين
سأمكثُ في قبو حقدي الدفين
أرتقب منتظرًا إيابكِ الثمين
وأخطط انتقامي من الدنيا والنهود
بخربشةٍ حيرت أدهى الشياطين
وعزيمة قرصانٍ ذا ساق وحيدة
حاصرته الخيانات والجنود!
أجل يا حبيبتي نسرين
أنا رجلٌ للإساءة لا ينسى
مثل جملٍ عربيٍّ حقود،
أهانتهُ السياطُ وأثقال القيود
ويقينًا كما تعلمين علم اليقين
تحت سماءٍ مرصعة بأنجم المسا
حيث تنزف أفئدة المحرومين
أقمارًا فضيّةً زئبقيّة الأسى
ما عدت أقوى مثل أقنعة المتقين
أو زائف الرجال المحترمين
تمثيل دور الرجل الرزين
أمام حسنكِ العاجي الأبيض المصقول
وذلك الثدي العاصي بنبضٍ خجول
ما عدت أقوى يا حورية المنى
أمام أمواجٍ غامضةِ اللطمِ
وعيونٍ حزينةٍ وسنى
فأيان أبلغ المرسى؟!
ومثلي لا يحب التصبّر والصمود
أنا الذي ضَرَّسته المصائب والسدود
حتى أظلم القلب الأسيرُ
لما خنتِ من مواثيقٍ وعهود
مثل مجرةٍ مظلمةٍ تفحم وقسى
وبسحنةِ الشرّ المقيم وجهي اكتسى
ولو بمقدوري والمستطاع
لأخمدتُ كالسيجارِ هذا الوجود!
نسرين، علام تهربين
من مسخٍ حزين؟
ما في جعبة الدنيا ومخادِعها
أكثر من ماءٍ مهين!
عمَّ تبحثين؟
وأنا أحبك في كل حين
مهما جَفّفتْ أنهاري
برياحِ الجفا شتاءاتُ السنين
ما زلت أذكركِ بنايات الحنين
مثل مسنٍّ يسامرُ قبر زوجته
سنواتٍ بعد ذكرى الأربعين
يجترُّ سرد الحكايا
على مسمع الأعشاب والرياحين
ويقصُّ أقاصيصًا قديمة
يذيّلها بإمضاء دمعٍ سخين!
إزاء غربة الروح
في غابة الفولاذ ومدائن التعدين
كان نبيذ عينيك خمرتي
وكانت قناني نهديك سَكرتي...
تهزّ جذع النخل في صدري
كجوقةِ سعالٍ مكتظ ثخين!
فتارةً أبكي الضلالة والضياع
وحيدًا في حانة الشعراء الميتين
وتارة تتساقطُ في مستنقعات يدي
حبات تمرٍ حليبًا للظامئين
تالله ما لمحتكِ يومًا
إلا وترنحت على غيم العاشقين!
ذكراكِ كأسٌ سأشربهُ دومًا
حتى الثمالة لو تعلمين
آهِ يا نسرين
ما زلت كنز عمري الثمين
تلوحُ لي أشباحكِ قناديل رشادٍ وهدى
أدِلَّةٍ كحادي العيس
أو حلقات المتصوفين
هي الغوايةُ في زيّ التقى والدين
تخادعني وتقود اغترابي غنيمةً
تُعرضُ للسواحِ في متحف التوطين!
سأذكركِ في كل حين
سأذكركِ بحسرةٍ وحنين
كما يتذكرُ أمنا الأرضْ
والمعشوقة الصديقة،
ذاتِ الجسد البضْ
رائدُ فضاءٍ في مستعمرة بعيدة
أو سفينةِ فضاء هائمة وحيدة
جنَّ قاطنوها طولاً وعرض
وفُتِنوا... بعضهم ببعض!
سأشتاقكِ مثل كلب مسعور
رغم قديم الوفاءِ يحلمُ بالعض!
في صقيع الليل القمري الطويل
وقضمة البرد العميقة
في أطراف اليدين والقدمين
سأحبو وأزحف
إلى رحم خيامك
مثل وحشيّ الجنين
وأسرق من غلالِ محاصيلك
وسِلالها درّاقةً أو درّاقتين
ولي من تمر أثدائكِ تمرتين
أنا لست أنسى ولن أستزيد
حرٌّ مهما عوت ذئابي
ساغبةً تنوء بأطماع العبيد!
لقد مات الأحرار يا نسرين
حلقوا كغرنوقٍ يسحرُ الناظرين
والكوكب الأخضر أضحى أحمرًا؛
كابوسًا يكنزُ قيء الآثمين!
كوني على مرمى السنينِ قصيدةً
تنساب من نبع الحنين
أصب قوافيها
في كؤوس وحدتي
أدمعًا مالحة الأنين...
عزاءً مُلغمًا أبكمًا
في حانة المهمشين!
واحر قلباه من جفوة الأحلام
في كابوس حبٍّ دفين
نسرين، من نسي الدموع
لا يرى الطريق القويم
ومن تاه عن بوصلة الحقِّ
لا يمشي صراطًا مستقيم
بعض الرجال نجومهم مُنكسفة
فنحنُ لا نضيء كما تضيئين
وفي حالك ظلمتي،
كنتِ لي تُشرقين...
مثل شمس اليقين.
اتكئي على ذراعي
لنجتاز المدائن والقرى
مثل الغجر المُترحّلين
مثل العجائز من الجوالة البائعين
لأحرس رماد جدائلكِ
من كلّ شيطان رجيم
رغم ضعفي وثقل السنين
سأحملكِ أميرةً صغيرة
على الأكتاف حتى يوم الدين
أسرقكِ من قفص العاداتِ
وأُطر التفكير العقيم
مثل عنقاء المحال ترفرفين
بعيدًا عن سيرك عالمنا اللعين!
وقلتِ: "ما بال النجوم أضاءت
ليل شعركَ الحزين؟! "؛
أجل هرمتُ يا نسرين
وذوت في بساتينيَّ أزهارُ الياسمين
وقيل أنكِ مثلي هرمتِ
في كتاب اللامنتمين
معاذ الهوى ما شاخت ذوائبكِ
تالله أنتِ بمرآة عينيَّ لا تهرمين
هزي عروش الحسن واحتسي
من دم الفؤاد خمرة العاشقين
حوريةٌ أنتِ غُزِلتْ زعانفها
في عالمٍ من زبد الصامتين...
آلهةٌ خالدةٌ في أضابير أسطورتي
تغار منها أساطير الأولين!
نسرين، الإنسان يكبر ويتعب
تنسلُّ منه ذرات السنين
مثل قرىً مُهجّرة
أنهكتها قنابل الغزاة الفجرة
فغادرها سكانها المسالمين
نزوحًا إلى مدن المجرمين
عمّ أحدثكِ وثالثة الأثافي
صخورٌ ثقالٌ
أوقدت صدري الحزين
بنار الهمّ وأسيان القوافي
مذّ افترقنا والخطوب تقرعني؛
تطرقُ بابيَّ جحافل زائرين!
نحن الذين طردنا
من فردوس طفولتنا
ما فتئنا في غابة الشياطين
نحلمُ بعناقِ ملائكةٍ مجنحين
أواهِ بعد آدم كم سقطنا
في غياهب جبٍّ يوسفيِّ الحنين
سقطنا مثل الأبالسة من عليين
نحلم بالجنان والفراديس
في قيعان الرذيلة ومرايا سِجّين!
كالأقزامِ المستأجرين
في قصر قارونٍ
كفرنا بمدارس الزاهدين،
ما تعملنا التخلي كالحكماء الصالحين
عن خيتعور الذهب وأوهام الفارغين
نسرينُ... آهِ يا نسرين...
ألا ليتكِ لبثتِ معي يومًا أو بعض يومٍ
كأهل الكهفِ عَدَدَ سنين
ألا ليتني ما تغيرتُ
ولبثت طفلاً في جنان براءتي
مثل عصبةٍ من سرياليّ الحالمين
ألا ليتني ما انسلخت يا نسرين
من جلد أولئك السذج الطيبين!
أخال الكفاية كلها حبّ نسرين
براقًا يعرجُ بي لسماءِ النبيين!
حباتَ خرزٍ من تسابيح الصلاة
إذا ما راقصتني وندى الجبين
مطرًا يبللُ فجر عينيكِ الحزين
وهمستُ: "كم أهواكِ يا نسرين! "