تخطَّ إلى المحتوى

وها أنذا شبح ما برح الصحارى دون قاطبة الورى

غير معروف

٣٠٦ بيت

المتفرقات

وها أنذا شبحٌ ما برح الصحارى، دون قاطبة الورى

ما خان منكِ الثرى، يستسقي من تمر نهديكِ الغَمام!

على أعتاب النهاية، قربانُ عذراءٍ سنينيَّ في الختام!

بم التأسي وقد انسلت من سلاميات يدي درر الكلام

هَجَرْتِني كأشباحٍ يغيّبها المدى، فضاع العمر سدى

لآلئ أحرفٍ تُسحق بعجلةِ كاثرينٍ في ساحة الإعدام!

أجل أحببتكِ مثل عينٍ مُحمرّةٍ لا تشفى من القذى

أحببتكِ كعضةِ فؤادٍ ما عرف سواكِ سمفونيةً للآلام!

هرمنا على هامش الحروب والفصول والأقوام

ككلماتٍ نكرة لم تجد في المعاجم معنىً للإفهام

متمردين على قسمة الرزق سقطنا كسقطة آدمٍ

فمن يُقرِئُنا آية توبةٍ أو يدعو لأرواحنا بالسلام؟

كنا اكتفينا بأوراق زنبقة قاربًا يحملنا لقطن الغَمام

أحرثُ فردوسها المفقود أشجار تفاحٍ وتينٍ وشمام

وأبذرُ الورد والريحان باسمكِ في أخاديد الأثلام،

وينسانا أبالسة الإنس وما عداهم من فلول الأنام

لا نمسي أنجمًا لعشاقٍ تحنّط حبهم بحزين الأفلام!

آهِ ما زالت قطارات القلب تعود إليكِ نبضًا وأقلام

كما يؤوب قديمًا إلى أوطانهِ البعيدة زاجلُ الحمام

مثل تائبٍ ما عرف السكينة إلا في نعماء الإسلام!

واحسرتاه

كلما غلب النعاسُ

المُستعبَدين من الأنام،

تنسلُ روحُ الشرّ

كماردٍ من قمقمٍ

نبيذهُ محبرةُ الأقلام!

في "قصة الحضارة"

للأرضِ دور العاهرة

فلا أمومة في صراعٍ دموي الصدام!

أما قرأتِ سير المنتصرين الطاهرة

أكذوبةً تدوّنها مرتزقة الأعلام؟

فقاعة التُرهات والأباطيل الفاجرة

تختلق غاياتٍ ساميةٍ نادرة

تنزّهُ لما وراء القداسةِ أهل الإجرام!

واحسرتاه

لا شيء ينجو هنا

من شرٍّ تفشى في الأنا

كمثل سرطانيِّ الأورام!

أين السبيل إلى السلام

في كوكبٍ قتل الحقيقة

أجنَّةً في رحم الأحلام

بسيف الجشعِ وأفواه اللئام؟!

أمام معابد نهديكِ

لو كان لي حق الكلام،

قصصتُ مأساتي

في سيرة الآلام

أنا الرجل الرجيم

سُرقت حبيبتهُ من جنّ الظلام

وفقد السكينة

حتى في كؤوس المُدام!

آه لو لحظة تسكنين

خارج معاقل الظنون

لربما أدركتِ بعد سنين

كم نسيتْ الحبيبة من أكون

في فقه الهوى، كنتُ الملام!

واحسرتاه

في فلوات حسنك الأملسِ المصقول

الناعم مثل أغنية الرخام

لو كانت أحصنة الفصاحة بلا لجام،

لأعدت أمام ناظريكِ ترميم الذكريات

أحيكها بريشة الأحرفِ مثل الرسام!

كأنما لغتي خيوطٌ غَزْلُها أساطير الغرام!

لعلكِ تستيقظين، من سحرٍ أسودٍ قديم

وأختطفكِ إلى كهوفي تحت أستار الظلام

مثل علي بابا الفهيم، أو لصوص الأفلام

أحملكِ مثل الأميرة إلى كنفٍ قطني المنام

لتضيع منا ساعة العمرِ في حروب الالتحام

مثل أطفالٍ ما اكتفوا من جنة البراءة

ننتهي ويندبنا قمرٌ تكفن غافيًا

مثل الرضيع في أقمطة السلام!

واحسرتاه

ثمة غصةٌ في القلب تخنقني

بما تبقى من رماد الغرام

كأن أنفاسي سجائرٌ تحرقني

ما ارتشفتُ أطيافكِ والأوهام

ورئتي مَنفضة أطفأتِ بها

لفائف أشباحكِ وأعقاب الهُيام

ما لي نسيت كنس آثاركِ

كالوشمِ محفورةً لحمًا وعظام!

ثمة غصةٌ في القلبِ حبلى بذكراكِ أيقونةً للعذاب

كقطارِ نبضٍ في مخاضٍ لا يؤول ولادةً وإنجاب،

تنوح بخواء أفئدة الثكالى، أمام مهدٍ ما بلغ الفطام

مفجوعةً كأنها البقايا من الصدى أو جوقة لليمام!

بعض العفاريت تحيا مثل حاشية الكتاب

مجرّد تفصيلٍ زائدٍ قلّما ألهب الألباب

كم لي من نصوصٍ اقترفتُ خطاياها

بوادي عبقرٍ وقد تلاشت كأذيال السراب!

تحترقُ في مجمرةِ عينيكِ أبياتُ خيلها

مُجزَّرةً على مذبحِ الهجرِ بمدية الأهداب

كأنها لحوم العذارى الطرية

في مسلخٍ يديرهُ أبالسة الأقزام!

في البدءِ كنتِ متيَّمةً بأحاديث الهوى والهُيام

مثل بدوية دعجاء تسامرُ عاشقها خلف الخيام

وأتت خطوب الدهرِ تصرمنا وطواكِ الغياب

مثل راهبةٍ في ديرٍ أو أميرة مسحورة

أُوصدتْ الدروبُ لنهديها وأقفلتْ الأبواب!

أنا الذي احتطبتُ مشاعري حزمةً من الأوهام

الفأسُ فأسي لكنما ساء المصير وخانت الأيام؛

قحط السنين نمى ما بيننا

رسمًا من رسوم الغاب!

ها قد جئتكِ مكسور القوافي،

سفائن روحٍ حطام

كمن آنس نارًا في كبد الظلام

في مواقد مقلتيكِ وما بين يديكِ

ألقيتُ مثل قيسٍ قصيد الغرام

لغةً لأجل وهم الوصل حلالاً أو حرام

أحرقتها في شتاء جفاكِ وأساكِ

حتى انقرضتْ منها فراشاتُ الإلهام

وكان كتاب العشقِ قربانًا بلا معنى

عُمد بالدمِ دهرًا وما من مُستجاب

لا تاجٌ يميّزني،

يعفيني من ثمن الجباية للآثام،

يمنحني الحصانة من شرّ العذاب

وجلّ الخلائق أقاصيصٌ

تنتهي رمادًا من الأحلام

خذيني قلادةً ما بين نهديك

لأبكي الأنا مثل سود الغمام

وأرثي في عالمٍ بلا عدالة

كصنّاجةٍ منسيٍّ أزمان البسالة

لسان صدقٍ مهزومٍ

هوى عن صهوة الجزالة

خائنًا الوصايا

وكلّ ما رواهُ وحي الأنام؛

مثل أحدبٍ جريحٍ أَغْتَم

يتسلقُ بلا سأم

في جُنح الليالي بعالي الهمم

قلاعًا صليبية الرغاب!

أيتها الغزالة المسعورةُ شوقًا ونهم

لماءِ التبرِ في واحةٍ من طين السراب

بالرغم من تشظي الهوية حدَّ انعدام السلام

تحت أظلاف الحملان وبراثن الذئاب

ما زلتُ ممسكًا حقائبَ الروحِ أمتعةً

من الذكرى والحنين، من الخسارةِ والآلام

أحملُ أقنعتي المنمقة، وقبعة القش الممزقة،

كسير القلبِ إلى محطاتكِ يحدوني الغياب!

في غابة المدن الفولاذية،

حيث الدخان والزحام،

حيث العملة الخضراء ربٌ من الأرباب

حقُّ التجول في الأزقة،

حِكْرٌ على أليف القطط والكلاب

لذا لم أهتدي إليك مُكبل الأقدام

وما اهتديتُ إلى طفولة نفسٍ

أضعتُ ملامحها وبراءة أمسٍ

مطمورةً تحت طبقاتٍ جلدية السُخام

فلَبِثتُ وحدي في القرى مستذئبًا

يتربصُ أشباح الظلام

يحلمُ بالسندبادةِ على بساط الإياب

كلما اكتمل القمرُ بدرًا،

عزفتُ آيات العذاب!

أيتها المعشوقة البالية مثل قديم الأثواب

رغم الهواجس والأسيجة، وزجاج الآلام

ما زلت دون كيشوتيًّا يحملُ وشم الأحباب

مُعتلاً بأحلامِ الحرية وأوبئةٍ من لوثة الغرام

يشقّ خرافة التاريخ بالحبرِ والحراب،

رغم ضعفي، ما زلتُ أقاوم هذا اليباب

رجلٌ يأبى أن تنتهي قصّتنا خيالاتٍ وأوهام

في حروب الأرضِ المريضةِ بأفلام الحرام

حيث يحتسي الإبليس مسرورًا كؤوس المُدام

حيث أنهار الدمِ تحكي بعزفٍ خريريٍّ حزين

سِير المجاعة والمذلة والسِّلة والسقام

الغلبة ليست للأقوى عتادًا وقسوةً وانتقام

إنما النصرُ إكليلٌ من الرياحين

لمن لا يعرفُ أبدًا لغة الاستسلام

وأنا ما كففتُ عن حبكِ يومًا من الأيام

تجري مياه العمرِ إلى بئر الظلام

وأظلُّ منتظرًا مخاض الهوى

في محطات الختام!

أيتها الأميرةُ التي فقدت البصيرة

فأمست عمياءَ بألف حجاب

ما زلتُ فارسكِ الممسوس بجنِّ الهُيام

بخوذةٍ صدئةٍ بيضاوية الاستدارة

نمت عليها الطحالب والأعشاب

ما عادت تحرسُ الأجداد من وخز السهام

ودرعٍ موروثٍ من ماضٍ لوثتهُ الأوهام

يحارب طواحين الشرّ في عالم الضباب

في أزمنة بلا فروسيةٍ أو قبابٍ للحمام

يجتر فكرًا فورسيًّا من سحيق الأحقاب

ما عاد صالحًا في عصور الغدر والطغام

قلبٌ عتيقٌ مثل أحاجي أبي هولٍ والأهرام

يرى الخلاص الوحيد من قبضةِ الظلام

سكنىً بألحاظ عينيكِ المسوّرةِ بالارتياب

مهما جفت أحيانًا وأَدمعتْ بلا أسباب

مُكحلاً كرسمِ الإثمدِ الأسود الخلاب،

تخطّهُ حول قماطي وارفات الأهداب!

وافترقنا إذن، في دهاليز المتاهة

ووجودٍ آل جوهرهُ عفونةً وحطام

كما يفترقُ الإخوة في ملاجئ الأيتام

بلا عودة يوسفيَّة،

تضيء الروح في قلب الظلام

بلا رجعةٍ تموزية،

كما تخلت المعابد عن الأصنام

قرنفلةٌ شذاها تبدد في فقاقيع الكلام!

ما أنصفتنا وثنيةُ العشقِ في نزف الأقلام

كلُّ القوافي تكسرت تحت حذاء السندريلا

إذ هرولت كواكبكِ خلف الكنوزِ بلا لجام!

ما أوفت بعهودها ووعودها الكاذبات

حدود الغزاة ترسمها ريشة الأقزام

فافترقنا في خرائط الأرض والكائنات

وما تقاسمنا تفاحة آدم في فراديس السلام

وما رَتَقَتْ أثوابنا آيةُ اللباسِ

في الإسلام

قضى الشكُّ على مأدبة العقلِ

دفن العمرِ في مقبرة الأحلام

ولم يزل بي أملٌ لا تُفندُ حجتهُ الأيام

يطرّزُ قصّتنا بأوتار الهوى إلى يوم القيام

وما الإنسان فيما وراء فسيفساء الكلام

سوى مجموعة صورٍ تمر مرّ السحاب

جاريةً كالجواري على بكرة الأفلام

بقايا أثرٍ قابيليٍّ تنقشهُ مناقيرُ الغراب!

يا ويلتي

من سوءة العيش في قصر الغياب

أأَعْيَيتُ عن مواراة ذكراك التراب؟!

أعجزتُ أن أكون أصلاً ثابتًا

تمسُّ فروعهُ سَمَوات الصواب؟!

إنَّا خلقنا بلعثةِ لسانٍ خطاهُ عاثرةٌ

لا تصدُّ من الإنس ذئابًا أو ذباب!

ولذا افترقنا نكتمُ داء الحبّ

أسارى في بوادي الاغتراب

لا نبوح بما خفى، من جنّ الهوى،

دفين وسائدٍ خلت من أهلها

وأقفال حديدٍ أَحكمتْ طلاسمها

تحرسُ كالتنانين قلاع الأبواب!

وإن نكن دمىً أسيرة الخيطان

في مسرح الملاهي والألعاب

تحت سترة الكهل المجعدة

المثقلة بألم العظام والحرمان

ما زلتُ يا مليكة الحسان

طفلاً عِفريتًا يقاسي نبض الاكتئاب

منذ ارتحلتِ على صهوة الأسباب

وأنا أحارب سقطة الضمير

في فخ الجموع

وتحطم الهويةِ المتشظيةِ للأبد

تحت أضواء الشوارع أو الشموع

بانكسار الركائز وتجذر الصدوع؛

لذا أنزفُ لغةً عربية العشق والأحزان

عربون وفاءٍ لجذور الأوطان

ما خنتُ هواكِ رغم القحط والحرمان

يجلدُ الروح بسياط الخواءِ

وينفثُ في دمها سمّ الثعبان!

بعض الخيانةِ ملاجئ الخذلان

خوف المنيةِ على يدِّ الطغيان

بيد أني ما خشيت جبروت قامتكِ

تتهادى مثل آلهة التيتان

معذبةً بكبرياء الطاووسِ

نبضاتٍ تفنى شقائقَ النعمان!

فلطالما طغى بلا رحمةٍ أو استئذان

على قلبي الضعيف جمالُ الحسان!

ما زلتُ يا فراشةً أغواها

نداء الحنين في قيثارة النيران

ثائرًا أحمقًا مجنون

يأبى الخنوع لفكرة النسيان

يرفضُ الركون كالأسارى

لحقيقةِ أنكِ لست لي الآن!

لذا أنعقُ على أغصان الصمت

مثل راهبٍ يقود سرب الغربان،

لم يتعلم أن الأرض الموروثة

ما كانت يومًا لبني الإنسان!

وأثورُ على شعوذةٍ طبقية

سرقت من أجمل حورية

صوت الحبّ وصيرتها زبد الشطآن

غير آبه بصواعق السحرة

وما جنّدوهُ من ممالك الجان

وكثير الحكمة في صون اللسان

لذا ما أقصر أعمارَ الشجعان

سأموت على محرابكِ يومًا

وينتهي هذا الحبُّ وأنتهي...

حكاية "كان يا ما كان"!

ومهما كان، سأهواكِ لنهايات الأزمان

مثل حرٍّ ما عاد يطلب غير الشهادة

حالمًا بأنهارِ اللبن ورمان الجنان

فأنا إزاء سردية التاريخ

عبر أنفاق الزمان

وصراع القوى على كفتي الميزان

لأجل الغلبةِ والهيمنة

في لعبة العروش والسلطان

لم أؤمن بنسبية الخير والشر

مُعطلاً بأساليب الفكر الجبان

تروس عقلٍ مستعرِ الشرر

حدّ التوقفِ عن طاحونة الدوران

في يوتوبيا زائفةٍ من صنع الشيطان

وهندسةٍ اجتماعية خفية الأيدي

أعجمية اللسان

يسوقها الغزاة لسحق الحضارة

ودفن الأمم في جبانةٍ قاحلة التراب!

ففي الختام، لا أستحقُّ الملام

أهدرتُ أفكار عمري بنات مدارسٍ

ما رأت للسؤال أكثر من جواب!

خذيني فرخ حمامةٍ أو غراب

إلى أعشاش نهود تعلو كمخروطيّ القباب

ما زلتُ تحت أنقاضِ الجسد الخراب

طفلاً يتململ في الأغوارِ الرملية

مثل توتراتِ البركان

يثورُ على فلسفة الإنسانية والغفران

مثل جلاوزةٍ تنتقمُ من البشرية

بتقطيع الضحايا أحياءً في سرداب

ولأجل أن ينير درب الرجوع

إليك في أنفاق مظلمة الزمان

مثقلةٍ بالشرّ المقيم الخاثر

وأشباح رمحيّة الأنياب

سيشعلُ العالم الحقير الجائر

بأعوادٍ كبريتية الثقاب

تمامًا كبائعةِ الكبريت المتجمدة

في شتاء القلوب وآسن الوجدان

أنا الطفلُ الذي ما زال

رغم كلّ ما كان

سأصرخُ... أعولُ...

"مات الإنسان! "