لماذا أسلمتها قلبي الظمآن
الملوّث بالهزائم والأحزان
كما أسلم أهلُ هذا الزمان
لغتهم إلى غياهب النسيان؟!
سرقت قطارات النبض الحيران
وبلا أمانٍ تحررني من الأغلال
حبستني عصورًا في فانوس الجان
ترى لأين ارتحلت باليقطينِ
مثل السندريلا
وما خلفت فردة حذائها الزجاجي
دليلاً وسبيلا
وما أورثت خرائط دربها أو العنوان؟
وما كانت خطيئتي الكبرى
كيما أجازى الصدّ والهجران،
محملقًا في مرايا وحدتي
ترسمُ انعكاسيَّ صورة دوريان؟
هل يا ترى أحبتني بطهر العذارى
أو مجون فارسةٍ تحلقُ بالحصان؟
حالمةً لو سابقنا معًا عجلات الزمان
مثل الأيائل الرقطاء أو ريم الغزلان
هل يا ترى أحبتني بلا ندمٍ أو إحسان،
غاضة الطرف عن حصى السنين
والمعتق من مورثات بني الإنسان،
بصدقٍ نقيٍّ لا تشوبهُ شائبة الأديان؟!
هل يا ترى أحبتني في جبانة الكِتمان؟
ما من معرفة تجنى بالمجان
بطريقة أو بأخرى ثمّة أثمان
ما من ملاذٍ من جباية الضرائب
لما ارتكبتُ في مبغى الوجدان
والعمرُ مقامرة الإنسان
ومثل مستعمرٍ قاءَتهُ الأوطان
لقد فَقدتُها للأبد
ككلّ الأشياء التي خسرتُها
فقاقيعًا وزبد
فعلام أذكرها
مختنقًا بشهيق الخسران؟!
أجل أحببتها
ظمأ القناني لفمِ السكران!
أجل أحببتها
بانكسارة كاهنٍ خانته الأوثان
وقساوة راهبٍ
ضلّ دروب الغفران
أجل أحببتها
كما غجريٍّ في التيه
يحبُّ أنجم الله المضيئة
منفيًّا شريدًا من رحم البلدان
كانت أقاليم راحتي والأمان
فأمست مثل أفيونيّ الإدمان
سكينتي بوجودها وفقدها الحرمان
حاجتي لها أمست أقفاص السجان
وأنا أسيرها طوعًا…
لنهاياتِ الأزمان!
يقينًا، لن أتحرر منها بعد الآن…
ستصهلُ في عروقي ما حييت
وتعربدُ فاسقةً في رماد الجثمان
يقينًا، لن أتحرر منها بعد الآن…
ما طوتني الأجداث ليوم القيامة
وما ضمّدتني، كالفراعنة الأكفان!