حَارَبْتُ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَهْوَى هَوَاهَا،
فَمَنْ يَتَّقِي قَدَرًا يُرِيدُ فَنَانِيا؟
وَقُلْتُ لِقَلْبِي: لا تُقَرِّبْ هَوَاهَا،
فَإِنَّ التَّعَلُّقَ يُورِثُ الخُسْرَانِيا.
وَكُنْتُ أُحَاذِرُ وَاقِعِي وَمَصِيرَنَا،
وَأَحْرِقُ شَوْقِي قَبْلَ أَنْ يُحْيَانِيا.
وَلَكِنْ أَتَتْ عَيْنَاكِ، تَكْسِرُ صَمْتَهَا،
فَضَاعَتْ جُمُوعِي، وَانْهَدَمْتُ كِيَانِيا.
لَمْ أَسْتَوِعْ بَعْدُ مَا أَصَابَ فُؤَادِيا،
وَقَعَتْ عَلَيَّ كَالصَّاعِقَاتِ نَوَادِيا.
حُزْنِي يُكَبِّلُنِي، وَيَخْنُقُ نَفْسِيا،
وَيَسْرِقُ الأَيَّامَ وَالحُلْمَ بَادِيا.
ضَاعَتْ خُطَايَ، وَمَا عُدْتُ أُبْصِرُ طَيْفَهَا،
وَتَبَدَّدَتْ فِي الهَوَى كُلُّ رَجَائِيا.
كَيْفَ اسْتَحَلْتِ مِنَ الحُلْمِ أُنْسِيا،
وَصِرْتِ فِي صَمْتِ لَيْلِي مُنَادِيا؟
أَنْتِ الَّتِي كُنْتِ فِي الحُبِّ أُغْنِيَتِيا،
فَصِرْتِ صَمْتِي، وَصَارَ العُمْرُ فَانِيا.
كَيْفَ الحَيَاةُ وَوَجْهُكِ لَا يَحْضُرُنِيا،
وَكَيْفَ أَمْضِي وَعُمْرِي لَا يُنَادِيا؟
رُؤْيَاكِ تَجْرَحُنِي، وَتُوقِظُ جُرْحِيا،
وَتُشْعِلُ الذِّكْرَى، وَتَسْقِينِي دِمَائِيا.
عَلِّمِينِي كَيْفَ أَنْسَاكِ يَا أُمْنِيَتِيا،
فَالعَقْلُ يَرْفُضُ مَا كَانَ احْتِوَائِيا.
كَيْفَ أُقَابِلُ يَوْمِي دُونَ طَيْفِكِ سَاهِيا،
وَالمَاضِيَ يَرْسُمُ فِي دِمَائِي مَسَاعِيا.
إِنِّي تَعِبْتُ، وَمَا عَادَتْ خُطَايَ لَهَا،
دَرْبٌ سِوَاكِ، وَمَا أَجْمَلْتِ نِسْيَانِيا.
فَتَرَكْتُ ذِكْرَكِ لِلدُّرُوبِ نِدَائِيا،
تَمْضِي الرِّيَاحُ، وَلَا تُزِيلُ كِيَانِيا.
تَاهَتْ خُطَايَ، وَذَابَتْ فِي تَنَادِيا،
حِينَ أَتَاني ذِكْرُكِ يَوْمًا طُوفَانِيا.
وَكَيْفَ أَنْسَاكِ، وَالقَلْبُ مَا نَسِيَا،
مَا زَالَ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ أَسِيا.
تَغْفُو العُيُونُ، وَطَيْفُكِ فِي خَيَالِهَا،
يُوقِظُ الحُلْمَ، وَيُسْقِينِي أَمَانِيا.
وَيَسْكُنُ الطَّيْفُ فِي عُيُونِي مُرَاوِغًا،
يَرْسُمُ وَجْهَكِ فِي المَنَامِ سَنَانِيا.
وَأَرَى خُدُودَكِ فِي الخَيَالِ مُزَيَّنَةً،
بِنُقَاطِ نَمْشٍ كَالنُّجُومِ تَدَانِيا.
كُتِبَ الغَرَامُ عَلَى دَمِي وَوَرِيدِيا،
فَكَيْفَ أَنْكُرُ مَا سَطَرْتِ كِيَانِيا؟
قَدْ كُنْتِ نُورَ دُرُوبِي يَوْمَ أَزْهَرَتْ،
فَصِرْتِ بَعْدَكِ لَيْلًا لَا يُنَادِيا.
دَعَوْتُ رَبِّي أَنْ تَكُونِي قَرِيبَتِيا،
فَابْتَلَانِي بِقُرْبِ الحُبِّ بَلْوَانِيا.
قَضَاكِ لِغَيْرِي، وَحُكْمُ الحُبِّ أَوْجَعَنِي،
فَحُرِمْتُ وَصْلَكِ، وَازْدَدْتُ هِيمَانِيا.