أقَبْلَتْ رياحُ الشرقِ صَخْبًا كأنَّها
جِيادٌ بأقصى البيدِ صَوْتًا تُجَلْجِلُ
فَهَزَّتْ غصونَ الأيكِ حتى كأنَّها
قُلوبُ مُحِبٍّ بالهوى تتزلزلُ
ومدَّ الدجى فوقَ الربوعِ ستورَهُ
فزاد فؤادي بالصبابةِ يثقلُ
وراحت خيولُ الشوقِ تعدو بمهجتي
كصاعقةٍ في الأفقِ لا تتعطلُ
تراقبني نجمُ السماءِ كأنها
عيونُ رقيبٍ بالهوى تتأملُ
إذا ما ذكرتُ الوجهَ ضاحَتْ ربوعُنا
وغنّى حمامُ الأيكِ وهو يرسلُ
وصارَتْ بحارُ الشوقِ مرآةَ مهجتي
تعيدُ صدى وجدٍ بصدري يزلزلُ
أبيتُ على صخرِ الفلاةِ مُؤرَّقًا
وفي الصدرِ نارُ الشجونِ تشعلُ
تساقطُ ريحُ الياسمينِ كأنها
رسائلُ شوقٍ في الضلوعِ تُحمَّلُ
ويشهدُ بدرُ الليلِ سرَّ صبابتي
كأنَّ عيونَ الكونِ حولي تُرتِّلُ
أعدو وراءَ الحبِّ والريحُ خلفَنا
كأنَّ خيولَ الغيدِ في الصدرِ تصهلُ
فما سلكتْ رجلي طريقًا ولم يكنْ
صدى اسمِها في مهجتي يتسلسلُ
إذا هبَّتِ الذكرى تضرَّمَ مهجتي
لهيبٌ من الأشواقِ لا يتبدلُ
وتذوبُ شمسُ الشوقِ في بحرِ أدمعي
كدمعٍ حريقٍ في الفؤادِ يُرسَلُ
فكلُّ رُبى البيداءِ تحملُ طيفَها
وكلُّ شذى الأزهارِ منها يُمثَّلُ
أعيشُ أسيرَ الليلِ والفجرُ شاهدٌ
بأنَّ فؤادي في هواها مُعلَّلُ
وإنْ سألَ الركبانُ عمَّا أصابني
فإنَّ جوابي أنَّ قلبي مُبلبلُ
أطوفُ بآثارِ الديارِ كأنني
غريبٌ بأرضِ العشقِ لا يتعقَّلُ
فيا ليلُ إن طالَ السهادُ بمهجتي
فإني بذكرى الغيدِ دومًا أُعَلَّلُ