أَرَى الكَوْنَ مَبْسُوطَ الطَّوِيِّ مُحْكَّمِ
كَسِجْفٍ عَلَيْهِ النُّورُ غَيْرُ مُقَسَّمِ
تَنَاسَقَ فِيهِ الفَلْكُ حَتَّى كَأَنَّهُ
سُلُوكُ قَضَاءٍ فِي دُجَى اللَّيْلِ مُحْكَمِ
وَفِي كُلِّ ذَرٍّ آيَةٌ لِمُدَبِّرٍ
يُصَرِّفُهَا فِي حِكْمَةٍ غَيْرِ مُبْهَمِ
تَدُورُ بِأَمْرٍ لا انْفِصَامَ لِنَظْمِهِ
كَأَنَّ لَهُ عَقْلًا مِنَ الغَيْبِ يَحْكُمِ
تَرَى الشَّمْسَ فِي أُفْقِ السَّمَاءِ كَأَنَّهَا
سَبِيحَةُ مَلِكٍ فِي مَدَارٍ مُنَظَّمِ
وَيَجْرِي بِهَا الفُلْكُ العَظِيمُ كَأَنَّهُ
سَنَانُ قَضَاءٍ فِي الفَضَاءِ المُعَمَّمِ
وَمَا ذَاكَ إِلَّا صُنْعُ رَبٍّ مُدَبِّرٍ
تَنَزَّهَ عَنْ شَبْهٍ وَعَنْ كُلِّ مُجْسِمِ
لَهُ الكَوْنُ أَسْلَمَ طَائِعًا فِي كِيَانِهِ
كَخَاضِعِ ذُلٍّ لِلْعَظِيمِ المُعَظَّمِ
أَوْدَعَ فِي الإِنْسَانِ لُبًّا وَفِطْرَةً
تُرَى فِيهِ نُورَ الحَقِّ غَيْرَ مُتَوَهَّمِ
فَيُبْصِرُ أَنَّ الكَوْنَ لَيْسَ بِفَوْضَى
وَلَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحَكُّمِ
إِذَا مَا تَأَمَّلْتَ الحَيَاةَ وَسِرَّهَا
رَأَيْتَ بَنَاتِ الحَقِّ فِي كُلِّ مَوْسِمِ
وَمَا العِلْمُ إِلَّا مِشْعَلٌ فِي دُجَى الوَرَى
يَقُودُ إِلَى الإِيمَانِ غَيْرَ مُتَجَسِّمِ
فَكَمْ مِنْ بَصِيرٍ أَبْصَرَ الحَقَّ جَاهِرًا
فَخَرَّ لِبَابِ النُّورِ غَيْرَ مُكْلِمِ
وَكَمْ مِنْ عَمًى لَمْ يَرْتَقِ النُّورَ قَلْبُهُ
فَضَلَّ بِوَهْمٍ فِي ظِلَالٍ مُتَرْهَمِ
فَيَا رَبِّ زِدْنِي فِي يَقِينٍ وَهَيْبَةٍ
وَأَصْلِحْ فُؤَادِي مِنْ دُجَى كُلِّ مُظْلِمِ
وَطَهِّرْ ضَمِيرِي مِنْ شُبُهَاتِ غَفْلَةٍ
تُغَشِّي بَصِيرَاتِ الفُؤَادِ المُصَمَّمِ
هُوَ اللهُ رَبِّي وَاحِدٌ لَيْسَ غَيْرُهُ
لَهُ الحَمْدُ فِي السِّرِّ الخَفِيِّ وَالأَعْظَمِ
تَنَزَّهَ عَنْ شَبْهٍ وَعَنْ كُلِّ مُدَّعٍ
وَأَحْكَمَ صُنْعَ الكَوْنِ غَيْرَ مُهَدَّمِ
فَسُبْحَانَهُ مَنْ أَوْجَدَ الخَلْقَ حِكْمَةً
وَأَبْرَزَهُ مِنْ عَدَمٍ إِلَى النُّورِ مُنْعَمِ
وَمَا ذَاكَ إِلَّا حَقُّ رَبٍّ مُحَقَّقٍ
لِمَنْ أَبْصَرَ الآيَاتِ غَيْرَ مُتَعَصِّمِ
فَآمَنْتُ بِالرَّحْمَنِ إِيمَانَ صَادِقٍ
وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلْعَلِيِّ المُكَرَّمِ