تخطَّ إلى المحتوى

عيناي أنت وأنت الشمس والقمر

البسيط

٤٦ بيت

النسيب

عَينايَ أَنتَ وَأَنتَ الشَّمسُ وَالقَمَرُ

مَلَكتَ قَلبي وَسِحرُ الشَّوقِ يَنتَصِرُ

مَهما كَتَمتُ هَوىً قَد بانَ مَلمَحُهُ

فِي الوَجهِ حَتَّى غَدَت أَطرافُهُ حُمُرُ

يا غايَةَ الرُّوحِ هَل فِي الوَصلِ مِن أَمَلٍ

فَقَد تَناءى لِقَلبي البَوحُ وَالسَّهَرُ

ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الحُبَّ يَهزِمُني

حَتَّى رَأَيتُ جُيوشَ القَلبِ تَنقَهِرُ

بُث لي حَنانَكَ في رُوحِي على زَفَرٍ

أَكثِر مِنَ الوِدِّ إِنَّ العَينَ تَفتَقِرُ

خَبَّأتُ سِرَّكَ في صَدري فَأَنطَقَهُ

حُزنٌ كَثيرٌ وَدَمعٌ لَيسَ يَصطَبِرُ

أَنتَ الرَّبيعُ إِذا ما جاءَ يُنبِتُنا

وَأَنتَ في لَيليَ النِّبراسُ وَالدُّرَرُ

سَحابةٌ أَنتَ تَروي روحَنا مَطَراً

مِنها، وَيورِقُ في صَحرائيَ الشَّجَرُ

لَو يَعلَمُ الدَّهرُ مِقداراً لِرِقَّتِكُم

لَكانَ ذِكرُكَ ما يُعطى وَيُدَّخَرُ

يا فِتنَةً صاغَها الرَّحمنُ مِن أَلَقٍ

تَحيرُ في وَصفِها القِرطاسُ وَالعِبَرُ

أَرفِق بِقَلبٍ غَدا في الأَسرِ مُرتَهَناً

يَحيا عَلى أَمَلٍ يُحييهِ مُنتَظَرُ

إِنّي بِلَيلٍ خَفا في هَمِّهِ سُبُلي

ما غابَ طَيفُكَ وَالأَشواقُ تَستَعِرُ

كَأَنَّ رِيحَكَ في الأَنفاسِ نَسمَتُها

تُحيي عِظاماً مَضى عَن طَيِّها عُمُرُ

أَبحَرتُ فيكَ وَضاعَت كُلُّ أَشرِعَتي

فَالمَوجُ عالٍ وَأَنتَ المَرفَأُ النَّضِرُ

لا تَعذُلِ القَلبَ إِن زَلَّت خَواطِرُهُ

فَفِي جَمَالِكَ هَذَا القَلبُ يَفتَخِرُ

يا مَن نَقَشتُ عَلى الجُدرانِ بَسمَتَهُ

حَتَّى استَكانَ لَها الجُلمودُ وَالحَجَرُ

إِنِّي نَذَرتُ لِهذا الحُبِّ أَورِدَتي

فَاشرَب هَواها فَمِنها يَنبَعُ القَدَرُ

ما قِيمَةُ النَّهرِ إِن جَفَّت جَداوِلُهُ

أَو قيمَةُ الفَجرِ إِن لَم تُشرِقِ الغُرَرُ

فاطلِق سَراحَ جَمالٍ بِتُّ أَرقَبُهُ

تَجتاحُهُ صُوَرٌ في إِثرِها صُوَرُ

وَاكتُب بِكَفِّكَ ما سَطَّرتَ مِن أَلَمٍ

إِنَّ القَصائِدَ في عَينَيكَ تُبتَكَرُ

وَاختِم بِوَصلٍ يَسُدُّ الجُرحَ بَلسَمُهُ

أَنتَ الوُجودُ وَأَنتَ السَّمعُ وَالبَصَرُ

ما ذَنبُ خِلٍّ سَقاهُ الوَجدُ مُرَّتَهُ

حَتَّى تَمادى بِهِ الإِعياءُ وَالضَّجَرُ

خُذني إِلَيكَ فَإِنَّ الشَّوقَ أَرَّقَني

وَمِنهُ في خافِقي أَوبالُ تَستَعِرُ

يا مَن لَهُ في خَلايا الرُّوحِ مَنزِلَةٌ

تَفنى الدُّهورُ وَلا يُمحى لَها أَثَرُ

لُغاتُنا في مَدى مَعناكَ قاصِرَةٌ

وَحالَةُ الصَّمتِ في عَينَيكَ تَختَصِرُ

إِذا نَطَقتَ فَإِنَّ الدُّرَّ مُنسَكِبٌ

وَإِن صَمَتَّ فَإِنَّ الخَلقَ تَعتَذِرُ

أَمطِر عَلَيَّ وِصالاً لا انقِطاعَ لَهُ

إِنَّ التُّرابَ بِجيدِ الماءِ يَنفَطِرُ

أَنتَ المَلاذُ إِذا ضاقَت بِنا السُّبُلُ

وَأَنتَ ذُخري إِذا ما خانَني البَشَرُ

لا تَحسَبِ البُعدَ يُنسيني مَلامِحَكُم

فَفي خَيالي لَكُم دارٌ وَمُستَقَرُ

لِلَّهِ دَرُّكَ كَم في الحُسنِ مِن عَجَبٍ

يُحارُ فيهِ اللَّوى وَالجَمعُ يَعتَكِرُ

تَمضي المَجَرَّاتُ في أَفلاكِها عَبَثاً

لَولا انجِذابٌ بدا مِن حُسنِكُم يُدَرُ

فَأَنتَ قُطبٌ لَهُ الأَكوانُ في نَظَري

وَأَنتَ طُورٌ بِهِ الأَقدارُ تَأتَمِرُ

قاموسُ عِشقِكَ لِلأَرواحِ هَندَسَةٌ

تَعلو عَلى المَنطِقِ الصِّرفِ الَّذي سَطَروا

فَكَم بَياناً بِطَرفِ العَينِ تُصدِرُهُ

فَيَسجُدُ النَّثرُ إِجلالاً وَيَنكَسِرُ

ذَرَّاتُ جِسميَ أَصداءٌ لِهَيبَتِكُم

كَأَنَّكَ الكُلُّ وَالمَجموعُ وَالنَّفَرُ

ما كانَ خَلقُكَ لِلأَبصارِ مَوقِعَةً

بَل آيَةً مِن جَلالِ الغَيبِ تَنهَمِرُ

عَلَّمتَني أَنَّ ضيقَ الذَّاتِ مُتَّسَعٌ

إِذا تَجَلَّى لَها مِن وَجهِكَ الشَّذَرُ

فَالنَّفسُ تَهفو لِأَصلٍ كانَ يَجمَعُها

قَبلَ الحَياةِ وَقَبلَ العِلمِ إِذ فُطِروا

ما نَحنُ إِلّا رُموزٌ في خَلائِقِهِ

وَأَنتَ مَبدى جَميعِ الخَلقِ وَالخَبَرُ

تِلكَ العُيونُ بِفحواهَا تُحَيِّرُنا

مَنْ لَم يَصُن عِشقَهُ مَا عَاشَهُ خُسُرُ

ما لُجَّةُ الحُبِّ إِلّا ثَورَةٌ عَصَفَت

تَأتِيكَ مِنهَا جِبَالٌ كُلُّهَا خَطَرُ

أَفنَيتُ في طَلَبِ التَّقريبِ أَلوِيَتي

حَتَّى تَمادى لَدى إِدراكيَ الشَّهَرُ

قَلبي الَّذي مَلأَ الدُّنيا بِعِشقِكُمُ

أَضحى سِواكُم لَهُ في نَفسِهِ صِفِرُ

أَبحَرتُ أَسبُرُ غَورَ الحُسنِ مُغتَرِباً

غَرِقتُ حَتَّى دَنا مِن كَفِّيَ القَعَرُ

حَتَّى عِظَامِي سَيُطوَى فَوقَها كَرَماً

تُربَ المَنِيَّةِ أَو يَحظا بِها قَبُرُ

ما كُلُّ مَن نَطَقَ الأَشواقَ يَعرِفُها

فَالحُبُّ صَمتٌ إِذا أَحزانُهُ كُثُرُ