تخطَّ إلى المحتوى

تمثل أرضنا نمته وغذته

غير معروف

٩٦ بيت

المتفرقات

تمثل أرضنا نمته وغذته

من صدرها الثرّ شيخاً وطفلاً

وكم نبضت تحت كفيّه قلباً

سخياً وفاضت عطاءً وبدلاً

تمثّل وهو يلوب انتفاضاً

ثراها إذا ما الربيع أهلاً

وماج بعينه كنز السنابل

يحضنه الحقل خيراً مطلاً

ولاح له شجر البرتقال

وهو يرف عبيراً وظلاً

وهاجت به فكرة كالعواصف لا تستقر

تواكب تلك الطيوف تساير تلك الصور:

أتغصب أرضي؟ أيسلب حقي وأبقى أنا

حليف التشردّ أصحب ذلّة عاري هنا

أأبقى هنا لأموت غريباً بأرض غريبة

أأبقى؟ ومن قالها؟ سأعود لأرضي الحبيبة

بلى سأعود، هناك سيطوى كتاب حياتي

سيحنو علي ثراها الكريم ويؤوي رفاتي

سأرجع لا بد من عودتي

سأرجع مهما بدت محنتي

وقصة عاري بغير نهاية

سأنهي بنفسي هذي الرواية

فلا بدّ، لا بدّ من عودتي

وظلّ المتشرد عن أرضه

يتمتم: لا بد من عودتي

وقد أطرق الرأس في خيمته

وأقفل روحاً على ظلمته

وأغلق صدراً على نقمته

وما زالت الفكرة الثابته

تدوم محمومة صامته

وتغلي وتضرم في رأسه

وتلفح كالنار في حسه

سأرجع لا بد من عودتي

وفي ليلة من ليالي الربيع الدفيئة

مشى ذاهل الخطو تحت النجوم المضيئة

وراح يدور بأفق خواطره الشاردات

يلاحقهن ويمعن بعداً مع الذكريات

ويبصر يافا جمالاً يضيء على الشاطىء

ويسمع غمغمة الموج في بحرها الدافىء

ويلمح بالوهم طيف القوارب والأشرعة

تقبّل وجه الصفاء في الزرقة المتلرعة

ومرت على وجهه وهو يحلم نسمه

مضمّضة بشذى البرتقال تعطّر حلمه

وكانت كهمسٍ مصدره واستتر

كهمسٍ من الغيب وافاه يحمل صوت القدر

وأوغل تحت ضياء النجوم

يمشي ويمشي كمن يحلم

وكان بعينيه يرسب شيء

ثقيلٌ كآلامه، مظلمٌ

لقد كان يرسب سبع سنين

انتظارٍ طواها بصبر ذليل

تخدّره عصبة المجرمين

وترقده تحت حلم ثقيل

لقد كان يرسب سبع سنين

طوال المدى عاشها في سؤال:

متى سأعود؟ وكان الجواب

صمتاً يمدّ رهيب الظلال

وما زال يمشي سليب الإرادة

تدفعه قوّة لا تردّ

إلى أين؟ لم يدر. كان الحنين

نداءً ألحّ به واستبدّ

كأن الأرض، من أرضه

تصاعد يدعوه صوتٌ شرود

يجلجل في قلب أعماقه

ويجذبه ما وراء (الحدود)

هناك تناهت خطاه، هناك

تسمّر عند السياج العتيق

هناك تيقّظ وعياً رهيفاً

وحسّاً عجيب التلقّي دقيق

وفي نفسه كان يزدحم الدمع

والشوق والسورة المفعمه

ورجع نداء ملحّ قويّ

وموجة عاطفة مبهمة

ورائحة الأرض في قلبه

مزيج حنان ونفخ شذيّ

وللصمت من حوله ألف معنىً

يعانق ألف شعور خفيّ

وأهوى على أرضه في انفعال يشمّ ثراها

يعانق أشجارها ويضمّ لآلي حصاها

ومرّغ كالطفل في صدرها الرحب خدّاً وفم

وألقى على حضنها كل ثقل سنين الألم

وهزّته أنفاسها وهي ترعش رعشة حبّ

وأصغى إلى قلبها وهو يهمس همسة عتب:

رجعت إليّ؟!

-: رجعت إليك وهذي يدي

سأبقى هنا، سأموت هنا، هيّئي مرقدي

وكانت عيون العدو اللئيم على خطوتين

رمته بنظرة حقد ونقمة

كما يرشق المتوحش سهمه

ومزق جوف السكون المهيب صدى طلقتين

بدا الفجر مرتعشاً بالندى

يذرذره في الربى والسفوح

ومرّ بطيء الخطى فوق أرضٍ

مضمّخة بنجيعٍ نفوح

تلفّ ذراعين مشتاقتين

على جسدٍ هامدٍ مستريح