ماذا تقول أبا العلاء وتزعمُ
وحقيقةُ الأشياء سرٌّ مبهمُ؟
أفنيتَ عمرك باحثًا عنها وما
فتئت تُجلِّلُها السُّجوفُ وتكتم
خفيتْ فلا الأبصارُ تدركُها ولا
أحدٌ هنالك يستبين ويفهم
تاهت عقولٌ في اكتناه غموضِها
والعقل أسخفُ ما يكون وأسقم
راودتَها عن نفسها فتمنَّعت
فكتبتَ ما تدري وما لا تعلم
لا غروَ إن عسفتْ خطاك سبيلَها
إن السبيل - وأنت أكمهُ - أهْيَم
شيخَ المعرَّةِ ما قصدتُ الغضَّ من
قدْرٍ يجلُّ على الدهور ويكرم
أنت الذي هرِمَ الزمان وشعرُه
جَمُّ الفتوَّة لا يشيب ويهرم
لكن أراك وقد أكون مجازفًا
أخطأتَ بعض الشيء فيما تزعُم
عفوًا إذا جمح اليراع فإنه
نَزِهُ الضميرِ وإن رأيتَهُ يهجم
لِمَ يا «رهينَ المحبسين» قنعتَ من
دنياك بالأدنى وغيرُك يغنم؟
حمَّلت نفسك ما يضير وفوق ما
في وُسعِها ولزمتَ ما لا يلزم
جشَّمتها الحرمان من نُعمى الحيا
ةِ وطِيبِها يا هولَ ما تتجشَّم
فعزفتَ عن أكل اللحوم بأسرِها
وكرهتَ مائدةً يحفُّ بها الدم
ومججْتَ ألبانَ السوائمِ عذبةً
والشَّهدُ في فمك المنزَّهِ علقم
وأطايب الصيد الغَريضِ حرمتَها
اللهُ حلَّلها وأنت تحرِّم
فالجسم منهوك القوى متهدِّمٌ
والنفس تنهشُها الشكوك وتقضم
ما ضرَّ زهدكَ في الحياة وأُنسِها
لو كنتَ بالأخرى تهيم وتحلُم
قرَّرتَ آراءً فكنت تصيب في
رأيٍ وفي رأيٍ تضِلُّ وتأثم
وأذعتَها في الناس ثم نقضْتَها
وظللْتَ مرتابًا تشيد وتهدم
ونظرت نظرةَ قانطٍ متشائمٍ
فالكونُ كلُّه مدلهمٌّ مظلم
غصَّتْ جوانبُه بكل رذيلةٍ
والأرض تملؤها الشرور وتفعم
حذَّرتَ من نسلٍ وتزويجٍ وهل
في الناس من يجفو الحسانَ ويعقم
وأهبت بالرجل الحَزيمِ وقلت كن
عزبًا عُقاما! إن ذلك أحزم
هذا جناه أبٌ عليك وخفتَ أن
تجني فلُذتَ بعزْبةٍ تستعصم
وأسأتَ ظنَّك بالأنام فغاشمٌ
ومخاتلٌ لَبِسَ النفاقَ ومجرم
نصبوا المكائد كالشباك لبعضهم
وأثار بينهمُ النزاعَ الدرهم
سيماؤُهم بوجوهِهم والشرُّ في
أردانِهم متمثِّلٌ متجسِّم
فقويُّهم يطأ الضعيفَ مهانةً
ويسومُه سوء العذاب ويؤلم
تتصرَّف الأهواء في رؤسائهم
وملوكُهم نشروا البلاء وأعظموا
ماذا أزيد؟ وجُلُّ شعرِك طافحٌ
نقدًا وأنت اللاّذع المتهكِّم
إن كنت بالحيوان ترفقُ راحمًا
فعلى بني الإنسان ما لك تنقم؟
هفَواتهم شتَّى بدون منازعٍ
تلك الغريزة في النُّهى تتحكَّم
يا فيلسوفُ شططْتَ في تأْنيبِهم
والفيلسوفُ بهم أبرُّ وأرحم
ماذا أفاد الطعنُ في أخلاقهم
وميولِهم؟ وكما عهدت هُمُ هُم
هلا تبدَّلَتِ النصيحةُ بالأذى؟
هيهاتَ يُقنِع من يسبُّ ويشتم