بعدكِ يا أمّي...
لم يعد الحزنُ زائرًا
بل صارَ صاحبَ البيتِ
وصارتْ خطاكِ الغائباتُ
أكثرَ حضورًا
من وجوهِ العابرين
أفتحُ بابَ المنزلِ
كلَّ مساءٍ
وألتفتُ تلقائيًا
إلى المكانِ الذي كنتِ تجلسين فيه
ثم أتذكّرُ
أن الكراسيَّ تعرفُ الغيابَ
أكثرَ من البشر
ما زالَ فنجانُكِ
في الخزانةِ
وما زالتِ الملعقةُ الصغيرةُ
تحفظُ أثرَ يديكِ
وما زالتِ الأشياءُ
تنطقُ باسمكِ
حين نصمتُ
بعدكِ...
صار الصباحُ
أقلَّ دفئًا
وصار الخبزُ
يفتقدُ رائحتَهُ الأولى
وصارتِ الأيامُ
تدخلُ باردةً
كأنها لا تعرفُ الطريق
كنتِ إذا تعبتُ
وضعتِ يدكِ على قلبي
فيهدأُ
كأن الدعاءَ
وجدَ بيتَهُ أخيرًا
واليومَ...
كلما أثقلني العالمُ
أبحثُ عن تلك اليدِ
فلا أجدُ
إلا فراغًا
يتّسعُ في صدري
يا أمّي...
منذ رحلتِ
وأنا أقلُّ من نفسي
كأن جزءًا من روحي
سافرَ معكِ
ولم يعد
حتى المرآةُ
صارت تنظرُ إليَّ
بحزنٍ قديم
كأنها تسألني
أين المرأةُ
التي كانت تُضيءُ هذا الوجه؟
أشتاقُكِ
لا كما يشتاقُ ابنٌ لأمّه
بل كما تشتاقُ الأرضُ
للمطرِ
بعد أعوامٍ من الجفاف
وأعرفُ
أن الذي يرحلُ إلى رحمةِ الله
لا يعودُ
لكن قلبي
ما زالَ يتركُ لكِ مكانًا
على المائدةِ
وفي الدعاءِ
وفي كلِّ عيد
يا أمّي...
ما زلتُ كلما نجحتُ في شيءٍ
ألتفتُ باحثًا عن عينيكِ
لأرى الفرحَ فيهما
ثم أتذكّرُ
أن السماءَ
صارت أقربَ إليكِ منّي
فإذا سألني أحدٌ
ما أقسى أنواعِ الفقد؟
سأقول:
أن تعيشَ العمرَ كلَّهُ
وأنتَ تشتاقُ
لصوتٍ
لن تسمعهُ
إلا في الذاكرة