ليالي الحمى جاءت بهنَّ البشائرُ
بصادق فجر الأنس، والليل كافرُ
وأيامها الأعياد كافلة الهنا
ولسنا من الأكدار فيها نُحاذر
ونلنا المنى فيها على البِشْر والصفا
وليست عوادي الدهر فيها تُضاير
وكم لي على جرعاء عين برابرٍ
مقاعدُ أُنسٍ أبرزَتْها برابر
وما هي إلا عينُ كل مَسرّةٍ
وفي سفحها ما تشتهي النفسُ حاضر
على صفحات النهر منها بواسقٌ
بها الطلع منضودٌ، وما ثَمَّ حاسر
حدائقها فيها الثمار يوانعٌ
لداني جَناها تشرئبُّ الخواطر
ومَدَّتْ علينا من سُجوف غصونها
ظلالاً له بَرْدُ النعيم يبادر
وأفنانها سكرى تثنّتْ وصفّقتْ
وريحُ الصَّبا للعود منهنَّ واتر
وجدولُها الساقي بصرفٍ مُعَرْبِدٌ
وكم رجَّعَ الألحانَ فيهنَّ طائر
فأطرب مرآها القلوبَ نضارةً
وفاحت علينا من رباها الأزاهر
ومن جاءها ظنّ الجِنَانَ تزيّنتْ
وطاب بها عيشًا مقيمٌ وزائر
دعِ «الكرشَ» تصلى بالسموم سباخُه
وليس «أبو زيدانَ» ممن يُكابر
وما للعذارى في «عذارى» وفي «الرحى»
مقامٌ إذا لاحت لهنَّ «برابر»
لقد زانها صِيدٌ بحافاتها انتدوا
كرامٌ لهم في المكْرُمات مظاهر
بهاليلُ حازوا كلّ فضلٍ سجيّةً
نَمَتْهم إلى العليا تميمٌ وعامر
هُمُ الشُّوس يحمون الذِّمار أماجدٌ
مواردهم محمودةٌ والمصادر
إذا عقدوا عهدَ الإخاء وفَوْا به
فما لعهود الوِدِّ في القوم غادر
أولئك قومٌ للمعالي ارتيادهم
صدورٌ إذا التفّت عليهم مَحاضر
عليهم سلامُ الله ما لاح بارقٌ
على ربعهم، أو سالَ بالغيث حاجر
حننتُ إليهم ما ذكرت فِعالَهم
حنينَ غريبٍ أبعدته المقادر
وأشتاقُ هاتيك المغاني وأهلها
كما شاق ظمآنَ الهواجر ماطر
وما زلت صبّاً والهًا كلِفًا بهم
وما أنا عن لقيا الأُحيْبابِ صابر
ولست بساليهم وإن كنت فارهًا
ولم يُلهني عنهم نديمٌ مسامر
وكيف سُلُوِّي عن كرامٍ أعزةٍ
بهم أخصب العافي وعزّ المجاور
ألا هل لُيَيْلاتُ الهفوف رواجعٌ
علينا، وكأسُ الأنس بالصحب دائر
فينعَمُ مشتاقٌ وتُقضى لُبَانَةٌ
وتجمُدُ من بعدِ الهمول المحاجر