تخطَّ إلى المحتوى

أطلت على درب الغياب مسافرا

المديد

٢٣ بيت

النسيب

أطلتُ على دربِ الغيابِ مُسافِرًا

وأحملُ في الأعماقِ نارَ تَوَلُّهِي

سنونٌ تتابعُ والجوى في أضلُعي

كريحِ صَريمٍ في الفؤادِ تُؤرِّهِي

إذا لاحَ طيفُ الحُبِّ هزَّ جوانحي

كما هزَّ رعدٌ صدرَ باديةٍ تَيهِي

وسالتْ دموعي في الليالي كأنّها

غديرُ اشتياقٍ في الفلاةِ يُنَبِّهِي

وكم قلتُ: “يا ليلُ الثقيلُ أكِفَّني”

فيُسقينيَ الأيامُ كأسَ تَأَوُّهِ

إلى أن بدا وجهُ الحبيبةِ مُقبلًا

كفجرٍ أتى بعدَ الدجى يتنزَّهِي

فقلتُ: أأنتِ الحُلمُ أم أنتِ يقظةٌ؟

فقالتْ: أنا عهدُ الهوى وتوجُّهِي

فأمسكتُ كفَّ الحُبِّ والرّجفُ في يدي

كغُصنٍ تَمايَلَ بينَ ريحٍ ومَيْهِي

فذابَتْ مسافاتُ السنينِ بلمسةٍ

وعادَ زمانُ الشوقِ طفلًا يُلَبِّهِي

تلاقَت عيونُ العاشقينِ كأنَّها

نجومٌ تهادَت في السماواتِ بهِي

فما عدتُ أذكرُ بعدَ ذاكَ مفازةً

ولا قَفرَ بيداءٍ ولا ليلَ سَهِي

وعادَت ديارُ الحُسنِ خضراءَ بعدما

توارَتْ كصدرٍ في الفراقِ يُقَسِّهِي

فيا لَرنينِ الصوتِ حينَ تَلاقتِ

أحرفُهُ في سمعِ قلبي تُغَنِّهِي

ويا لَابتسامِ الثغرِ كيفَ بعثتْ ليَ

ربيعَ سنينٍ كانَ في الحُزنِ يَذْوِي

فما كنتُ أحسبُ أنّ بعدَ جفائنا

سيُزهِرُ في صدري الوفاءُ ويَحْيِي

ولكنَّ للحُبِّ القديمِ هيبةً

إذا عادَ يومًا للقلوبِ يُربِّي

فها نحنُ بعدَ البُعدِ صِرنا مَودَّةً

كأنَّا لقينا بالأمسِ حينَ تَهَنَّا

فإن سألتْ الأيامُ عن سرِّ وصلِنا

فقل: قد تلاقَى الصبرُ حتى تَمَنَّى

وإن قيلَ: كيفَ احتملَ القلبُ فِرقةً ؟

فقُل: كانَ بالآمالِ دومًا تَغَنَّى

فما الحبُّ إلا موعدٌ حينَ يُؤجَلُ

يعودُ وإن طالتْ عليه التمنِّي

فيا من سكنتِ القلبَ بعدَ غيابِهِ

سلامٌ على وجدٍ أتى مُتَغَنِّي

أقسمتُ ما بدَّلتُ عهدَكِ لحظةً

ولا قدّمتُ الدنيا على حُبِّكِ دِينِي

فإن غبتِ يومًا عادَ صبرُ المتيَّمِ

ولكنَّ مثلكِ لا يُعادُ لثانِينِ