أرى الليلَ يمضي في مداها مصلّيًا
كأنَّ الدجى بينَ المآقي يُسبِّحُ
وتنسابُ ريحُ الشوقِ بينَ جوانحي
فتخفقُ في صدري وتغدو وتَجْرَحُ
وأسمعُ في صمتِ المدى همسَ خطوها
كأنَّ المدى من وقعها يتوضّحُ
تُطلُّ على القلبِ المبعثرِ لحظةً
فيجمعُ ما قد كان فيهِ ويصلحُ
كأنَّ لها في الرملِ سطوَةَ غيمةٍ
إذا مرّتِ الصحراءُ فيها تُفصحُ
وتزرعُ في وجهِ المكانِ ملامحًا
تُعيدُ إلى الأشياءِ ما ليس يُمنحُ
إذا ابتسمتْ سالتْ نوافذُ بهجتي
وأورقَ في عينيَّ ما كان يجرحُ
ويغفو بها قلبي على شُرفاتِها
كأنَّ الهوى في قبضتيها يُسبَّحُ
وأهربُ من ذاتي إليها فلا أرى
سوى وجهِها في كلِّ شيءٍ يُلوِّحُ
كأنَّ المدى مرآةُ عينيها إذا
تفرّقتِ الأشياءُ فيها وتبرحُ
وتنطقُ روحي كلما مرَّ طيفُها
فأفهمُ أنَّ الصمتَ فيها يصرّحُ
وإن غابتِ انطفأتْ خرائطُ نبضِنا
وصارَ الهوى في غيبتِها يتشرّحُ
هي الحلمُ إن ضاقتْ بنا كلُّ فكرةٍ
وهي اليقينُ إذا الضياعُ يلوّحُ
فلا الليلُ يبقى إن تلاشى حضورُها
ولا الصبحُ يأتي إن هواها يُصبحُ
فيا قلبُ كن مثلَ الغيومِ إذا سعتْ
إليها، فكم من عاشقٍ يتفتّحُ
على بابِها يبقى الغرامُ مُعلّقًا
وفي كفِّها معنى الحياةِ يُرَجَّحُ