تخطَّ إلى المحتوى

إلى مدينة جدة

غير معروف

٦٦ بيت

المتفرقات

إلى مدينة جدّة

مَدينةٌ لا يَأكلُها اللَّيلُ

تَغمسُ قدمَيها بمياهِ البَحرِ كُلَّ صباحٍ،

ويَعْقِدُ الغُرابُ والحمامُ

صداقاتٍ على أعمدةِ نورِها.

تَتزواجُ في شوارعِها

أَلْسنةُ البلادِ البعيدةِ.

كلُّ شيءٍ يُبهِرُ في الظاهرِ

ولكنَّهُ يتضاءلُ في تفاصيلِهِ.

هنا!

أَنا لا أَنتمي للمكانْ،

وتَتآكلُ في دَاخلي رَغباتُ الإلفةِ،

فأغرقُ في رمالِ الصَحراءِ،

وأتسلقُ أشجارَ النَخيل.

لا وقتَ للمهادنةِ معَ هذا الكائنِ،

ولا فرصةَ معهُ لِعقدِ الصَّفقات.

أمرٌ مثيرٌ للدهشةِ والحُزنِ،

وسؤالٌ يَخدُشُ القلبَ:

مَا الَّذي يَفصِلُ بينَ تلكَ الباحثةِ

في حاوياتِ القُمامةِ

وتلكَ القابعةِ في فندقِ خمسةِ نجوم؟

بينَ تلكَ التي تَحملُ طفلَها على ظهرِها

وتَجوبُ به حاوياتِ المدينةِ

لتَتَخَضَّبَ بروائِحِها،

وتلكَ العاقرِ في الرَّواقِ لا تُزعجُها

رائحةُ سجائرِ الكنت لايت؟

أيُّ خيطٍ يصلُ بين حاويةِ القمامةِ

وحذاءِ السيِّدة؟

آهٍ يا مدينةَ البحرِ

والنوارسَ الجائعةَ!!

كيف تتمشَّينَ بين قَريناتِكِ،

وأنتِ لا تَمتلكينَ حِسَّ اللَّوعةِ!

أبناؤكِ ليسوا قنافذَ،

وأنتِ المُشَرَّعَةُ أبوابُكِ لِكلَّ النفاياتِ!

أَمَا آنَ لكِ أَنْ تَغتسِلي بالضوءِ

وتُصَلِّي رَكعتينِ للفقراء!

أَبحثُ في قَلبي

فلا أجدُ إلاَّ حَنيناً حَزيناً يَعرُجُ بي للسَّماء.

أُحَلَّقُ فوقَ الأرضِ البُرتقاليَّةِ

والمشوَّهةِ بخطوطٍ طويلةٍ سوداءَ.

تُرَى!

لماذا تُحلِّقُ الهُمومُ أبعدَ مِنَ الغُيومِ؟

هكذا...

يبعثُ البُعدُ عَنكِ

صَفاءً في الرُّؤيةِ،

وتَدفُّقاً في الرُؤى،

فأصبحُ ولا شيءَ يَفصلُني عَنكِ

أكثرَ مِنْ لَهفةٍ أو طَرْفَةِ عينٍ.

أسافرُ بينَ جَفنيكِ فتُعانِقني النُجومُ،

ومَوجُ البَحرِ اللاَّهِثُ أمامي

لا يُتعِبُهُ الرَّكضُ الدائمُ وراءَ طيفكِ،

فأيُّ حياةٍ تلكَ التي تَتخلَّقُ مِنْ أنفاسِكِ!

وأيُّ سِحرٍ يَستَجدي لمسةً من يديِّك!

وأنا...

صدِّقيني لا يُمكنُنِي العيشَ

بدونِ أنْ أَتنفسَ حُبَّكِ.

آهٍ يا فراشةََ حياتِي!

كمْ أتوقُ لِهاتَينِ العَينينِ!

وكمْ تَمنَّيتُ أَنْ تُطوِّقََنِي ضحكَتُكِ المائيَّةُ!

وهذهِ الأصَابعُ العابثةُ بضفائِرِ اللَّيلِ..

لَيتني ألثمُ أظافرَها الزَهريّةَ!

حبيبتي!

لو أنَّكِ بِجانبي لأخَّرْتُ إلى الغدِ

موعدي معَ الموتِ،

أَمَّا وأنَّكِ أَبْعدُ منَ السَماءِ

فالأمرُ سواءٌ عندي.