ما سَكْبُ دمعٍ لَدَى عافٍ بإسرافِ
وما الوقارُ لِمَحزونٍ بإسعافِ
خُزامُ فالثَغَرُ الباهي فَباخَشَبٌ
عَفَوْا جَميعًا ، فَكُلِّي إثرَهُمْ عافِ
وكنتُ أبكِي حنينًا قبلَ أنْ هُدِمُوا
واليومَ أبكي رِثاءً ، ما البُكا نافِ ؟
بَكَى المنازلَ قبلِي الواقفونَ بها
فما بُكائي عليها غيرَ وَقّافِ ؟
لئِنْ بَكَى الدُّورَ قبْلِي مَنْ يُمَيِّزُها
فليسَ لي مِنْ دياري غيرُ أطيافِ
جسمِي بمصرَ ، وشطرٌ مِن فؤادِيَ في
أرضِ الحِجازِ مُقيمٌ ، للدُّنا جافِ
فَبَلِّغَنْ أيُّهذا الرَكْبُ جُدَّةَ أنْ
هَلَكْتُ إلّا يَصِلْنِي نَسْمُها الدافِي
قد انقضى نصفُ عُمْري ، كَيْفَ أيْنَ مَتَى ؟
وَلَمْ أُصِبْ رَغْمَ كَدِّي أيَّ أهدافِ
زُها ثَلاثِينَ عامًا عشتُ مُكْتَفِيًا
بالجِدِّ ، وهْوَ لَعَمْرِي ليسَ بالكافِي
ما الجِدُّ إنْ لَمْ يَصُنْهُ الجَدُّ ذو أثَرٍ
والجَدُّ يُغني نَؤومًا غيرَ طَوَّافِ
ألا جِبالٌ لِما حُمِّلْتُ تَحْمِلُهُ
عَنِّي ؟ فقد صِرْتُ ظَلّامًا لأكتافِي
كانتْ أمانِيَّ أدناها الصَفا ، فَغَدا
أقْصَى أمانِيَّ يومٌ واحدٌ صافِ
كأنَّني واتِرٌ دهْرِي فأدرَكَنِي
مِنَ الهمومِ بأرْماحٍ وأسيافِ
وباتَ يَصرِفُ قومِي عَنْ فنونِيَ مَنْ
لا يعرِفُ الفَنَّ إلّا هَزَّ أردافِ
فأنْكَرُونِي ، وإنْ كانَتْ سَراتُهُمُ
لَتَسْتَدِلُّ عَلَى العَلْيا بأوصافِي
وَسِرْتُ لا رِدءَ لِي فِي كُلِّ مَهْلَكَةٍ
قَلْبي وَلُبِّي هُما أهْلِي وأحْلافِي
بَيْنَ جَهُولٍ يَرَى هَدْمَ القديمِ هُدًى
وأحْمَقٍ دَأبُهُ تَقدِيسُ أسلافِ
بَرَرْتُ أُمِّي ، فَمَنْ هذا عَلَيَّ دَعا ؟
لِأُبْتَلَى بِعَدائِي أهْلَ أعْلافِ
فما انتصارِي عليهم زائِدٌ شَرَفي
وإنْ أُداهِنْ ، فما في ذاكَ إنصافِي
وَقائِلٍ : يا أخَا مصرَ استرِحْ وأرِحْ
لا يُورِدَنَّكَ حتفًا قلبُكَ الهَافي
أهلكْتَ نفسَكَ فيما لستَ تأمُلُهُ
إليكَ عنِّي فهذا دَرْبُ أشْرافِ
إنْ كنتُ لا عَسِرًا كَربي ، ولا وَعِرًا
دَربِي ، فما النفعُ مِنْ قلبِي وأطرافِي ؟
وإنَّ لي لَدَمًا بالعِزِّ مُحتَدِمًا
أمضي بهِ قُدُمًا إنْ رِيمَ إيقافِي
أنا القَؤولُ لِما أبغي ، الفَعولُ لِما
أهوى ، الحَمولُ لِما أعيا الوَرَى ، الوافِي
إذا هَمَسْتُ يصيحُ الدَهْرُ يَشْهَدُ لِي
وإنْ أشَرْتُ تَهَاوَى كُلُّ إرْجافِ
ألْقَى الأُلوفَ وَما شيئًا أعُدُّهُمُ
وإنَّ مِثلي لَمَنْ يُحْصَى بآلافِ
فاذهبْ إليكَ فإنِّي رَبٌّ مَشأمَةٍ
أُجِيلُها حيثُ أبغِي غيرَ عَطَّافِ
ومُرْهِبًا بوعيدِي غيرَ ذي حَلِفٍ
وما المُصَدَّقُ في أمرٍ بِحَلَّافِ
لئنْ بُليتُ لَأسْتَلَّنَّ مُرْهَفَةً
فيها دواءٌ لأمراضِ العِدَى شافِ
كأنّها العَيْنُ إمّا أطرَفَتْ عَجِلَتْ
وفي الأناةِ تُحاكِي غَمْضَةَ الغافِي
أنا ابنُ مصرَ ، فما بالُ ابنِ مُحْدَثَةٍ
لوْلا ضيائِي لَكانَ الضائِعَ الخافِي ؟
أنا ابنُ مِصرَ ، فما شأنُ ابْنِ ناقصَةٍ
لوْلا سَخائِي لَظَلَّ الجائعَ الحافِي ؟
أنا ابنُ مصرَ ، ألا فَلْيَشْقَ ذُو حَسَدٍ
لا يَبتغِي قوَّةً إلّا بإضعافِي ؟
ألا وإنِّي غَرُورٌ كُلَّ ذي مَرَضٍ
بالحِلْمِ ، لا عابِئًا مِنِهُ بإسفافِ
حتَّى إذا ما اطمأنَّتْ نفسُهُ وَطَغَى
صافحْتُهُ بِغَشومٍ حَدُّهُ صافِ
ولستُ بالكَلِّ في شيءٍ على أحَدٍ
وَلَوْ تَنَعَّمَ مِنْ سَعْيِي وتَطوافِي
ولا أكلِّفُ نفسِي حَملَها الثُقَلا
أو أنْ يُرَى السأْمُ مِنْها بعدَ إيلافِ
لأغرَقَنَّ رَضِيَّ النفسِ هانِئَها
إذا ثقيلٌ بَدا فِي المَركَبِ الطافِي
إمّا تَريْنِي لهذا الناسِ مُجتَنِبًا
فالبُعدُ أهْوَنُ مِن قُرْبٍ بإجحافِ
إني امرُؤٌ لا يَرَى في الجاهِ مَكرُمَةً
إنْ كانَ بينَ أكِفّاءٍ وأجلافِ
ولستُ مُبتَغِيًا ما عِشتُ مَنزِلَةً
كُلُّ المنازلِ لا تَسْطِيعُ إنْصافِي