وكنتُ إن مررتُ من أمامي
رجوتُ أن يكونَ جالسًا
سواي في مكاني
وكلَّما رأيتُني
أو كلَّما رآني
وحرتُ بينَ ما ابتعدتُ عنهُ واقترابي
ضحكتُ
ثم قلتُ: من يكونُ صاحبي؟
فكلُّ ما رأيتهُ يراهُ بارتيابي
وكلُّ ما أذوقُهُ لديهِ مِن عذابي
عميقهُ تعمُّقي
شديدُه تشدُّدي
جديدهُ تجدُّدي
وجومُه تجهُّمي
ثيابُهُ ثيابي
فمن يكونُ صاحبي؟
أو صاحبُ المُصابِ؟!
فصوتُه ال يجترني بكلِّ ما يقولُه
مهدهدًا فظاظتي يسومُ بالعتابِ
ويورثُ الهدوءَ فيما بيننا
ضوضاءَ الاكتئابِ
وضوؤهُ الخفيتُ إن أنارَ طاردًا
عن طينهِ ظلامَه
استغاثَ بالترابِ
يدثرُ البياضَ بالسوادِ
والسوادَ بالبياضِ
والشبابَ بالمشيبِ
والمشيبَ بالشبابِ
من هيكلي استراحَ حين لا أراحني
مُسدِّلا مجيئهَ الخجولَ باحتجابهِ
مُغلِّقًا أبوابَه
وقد فتحتُ بابي
فكيفما رأيتهُ
إن كان ما رأيتهُ
قد شاء أن يراني
مُدجِّجًا خيالَه القريبَ بالحجابِ
يخافني لأنني أخافهُ
فكلمَّا تمدَّدَت يداي لاحتضانهِ
تمدَّدَ اغترابُنا فعدت باغترابي
يخافني لأنني أخافه
من توأم الوجودِ في دمائنا
من نسخة العظامِ والعروقِ والندوبِ
من جلودنا
من أن تكونَ رحلةُ ابتعادهِ اقترابي
فشكلُه تشكُّلي
وكسره تكسُّري
وجمعهُ تجمُّعي
وأصلهُ تأصُّلي
وهدبُه هدابي
وكنتُ إن جهلتُني
وعدتُ لي مُعنِّفًا
تعانقت ملامحي.. لأنها ملامحي
بظلِّهِ الوحيدِ
والمليءِ بالضبابِ
وأسرفَت دواخلي.. لأنها دواخلي
برغمِ ما اختزلتهُ من قبلُ بالإيابِ
وضمَّني بكلِّهِ
وقد ضممتُ كلَّه
وحينما وجدتني.. ضممتُني مجددًا
كي لا أضمَّ بعدَما التقيتُني
غيابي..