تخطَّ إلى المحتوى

عوض الله منك أهل البيان

غير معروف

٦٤ بيت

المتفرقات

عوَّضَ الله منك أهلَ البيانِ

وحُماةَ الفنون والعرفانِ

راعَهم خطبُك الجسيمُ، فباتوا

لا يُلبُّون داعيَ السلوان

كنتَ نِعْمَ الأديبُ في لغةِ الضا

دِ، ونعمَ المنيرُ للأذهان

كنت تُروي العقولَ والأنفسَ الظَّمْ

أى بصافٍ من اللِّطافِ الحِسان

فبعثْتَ الدفينَ في الأدب العا

لي، وهذَّبتَ ناشئَ الفتيان

وخدمتَ الجِيلَيْن خدمةَ مَن أوْ

فَى، وأعلى منارةَ البُنيان

لم يمتْ مَن له على النَّشْءِ فضلٌ

في جميع الأجيال والبلدان

لم يمتْ باعثُ «المعرِّيِّ» في النا

سِ، ومُحْيي «رسالةِ الغفران»

كلُّ حفلٍ شهدتَه كنت تُزجي

فيه شعرًا من معجزات الزمان

لا يُجاريك - في الرواية - راوٍ

لطريفٍ وتالدٍ في المعاني

كنتَ ك«الأصمعيِّ» في سَعة الحِفْ

ظِ، وتصريفِه بخير لسان

أو كمثل «الزَّمَخشريِّ» في دقة اللَّفْ

ظِ، وتفسيرِه من القرآن

كم رويْتَ الجميلَ من كلِّ لونٍ

وأثرتَ الجمال في الوِجدان!

عَجِبَ الناسُ كيف يهدأ هذا الْ

بحرُ من ثورةٍ ومن غَلَيان!

قد قضيتَ الحياةَ في السعيِ والدَّأْ

بِ لأمِّ اللغاتِ والتِّبيان

وطويتَ السنين طيَّ كفاحٍ

وغرامٍ بالنفع والإحسان

وعكوفٍ على الكتابةِ والتأ

ليفِ تُنشي قلائدَ العِقْيان

مستمِدّاً من الشقاء نعيمًا

مستعينًا بالعزم والإيمان

فهصَرْتَ الشبابَ وهْو نضيرٌ

ولحقْتَ الشيوخَ قبل الأوان

وتمادى بك السَّقام طويلاً

غيرَ شاكٍ - من بأسه - ما تُعاني

لا تبالي إذا سطا الموتُ ما دُمْ

تَ تُنيرُ الحياةَ للشُّبّان

لست تُعْنَى بما يخبِّئُه المِقْ

دارُ من لوعةٍ ومن أحزان

ما رحمْتَ الضئيلَ من جسمك العا

ني، إلى أن شكَتْ بك العينان

فتخيَّرت - للعلاجِ - سُهادًا

دائبَ الجُهدِ في الدجى غيرَ وان

وأبيتَ الهدوءَ أو تخدمَ النَّشْ

ءَ، وتُهدي لهم رطيبَ المَجاني

فسبقتَ الجميعَ في خدمةِ الأطْ

فالِ مما رفعتَ من أركان

وبدَت للعُيون «مكتبةُ الكي

لانِ» تُزْهَى بما حَوَتْ من جُمان

كم قصصْتَ الطريفَ فيها فأبدع

تَ، وجلَّيْتَ حكمةَ الحيوان!

وجمعتَ اللُّغاتِ فيها، فكانت

مَدْرساتٍ لكل قاصٍ ودان

يتلقَّى الصغيرُ فيها لُغاتِ الشْ

شْرقِ والغربِ في سليم المباني

هي للنَّشءِ متعةٌ ورشادٌ

ورسولٌ لخدمة الأوطان

عملٌ نافعٌ شأوتَ إليه

سوف يبقى على مدى الأزمان

لا مُعينٌ سوى قليلٍ من الما

لِ، وذخرٍ من النُّهَى والبيان

واحتملت الأنْواءَ كالبحر، حتَّى

دَبَّ في البحر حافِرُ السَّرَطان

طَلَبُ المجدِ يورث المرءَ همّاً

وشقاءً يُضْني قَويَّ الكيان

كنت تشكو التقديرَ في هذه الدُّنْ

يا، فهل قد مضى به النَّيِّران؟

وهما دائبان في السعي دومًا

بقضاءٍ لخدمة الأكوان

هكذا العلمُ والفنونُ وأهل ال

علمِ والفنِّ في جميع الزمان

غرباءٌ كما يقول «المعرّي»

قُرَناءٌ للبَذْل والحرمان

فاغتبطْ بالخلودِ، واهنأْ بما نل

تَ - من الأجْر - في نعيم الجِنان

واسترحْ من متاعب العيشِ واسلمْ

- في أمانٍ - من عالم الإنسان

قد شفى الموتُ ما لقيتَ من الدّا

ءِ، وما قد لقيتَ من عدوان

تعب كلُّها الحياة فما أع

جبُ إلا من راغبٍ مُتفان!

كنتَ تُصغي لما أصوغُ من الشع

رِ، وناشَدْتَني رِثاءَ «الكِلاني»

فأنا اليوم رغمَ شجْوي أُلبِّي

كَ، فيا وَيْحَ لي وويحَ بياني

لستُ أرثيكَ، للرثاء، ولكن

من لهيبِ الأسى أُذيب جناني

لستُ أرثي، وإنما أُشرِكُ النَّوْ

حَ بناتِ الرياضِ والأفنان

أسعدي يا هواتفَ الأيكِ عيني

وفؤادي، ومهجتي، ولساني

مات بعضي، ومات خِلٌّ وَفِيٌّ

كان رمزَ الوفاء في الخِلاّن

كان يُهدي إليك أطيبَ قولٍ

هو أحلى من أعذب الألحان

ويُوفِّي الصديقَ أصفى ودادٍ

هو - في صفوه - كبِنْتِ الحان

قد مرَرْنا بداره، فبكينا

ذلك المنتدَى العليَّ الشان

ودعوناه للحديث، فلبَّى

هاتفٌ كلُّ مَنْ عليها فان

صوَّحتْ ندوة الأديبِ وأقْوَتْ

من «معرِّيْ» الزمان «والهَمَذاني»

ومن «البحتريِّ»، و«ابن زيدو

نَ» و«عبدِالحميد» و«الأصفهاني»

قد مضى، بعد ما ترنَّمَ حينًا

بالأصيلِ السَّرِيِّ في الأوزان

بالنفيس الذي يذلُّ له كلْ

لُ جديدٍ من أعجمِيِّ المباني

كلما أنشدَ البليغَ من الشِّعْ

رِ، توارى الدَّعيُّ بالخِذلان

حطِّمِ العودَ، يا خليلي، فإنّا

لم نجدْ بيننا سوى الأشجان

لم نجدْ غيرَ نائحٍ وكئيبٍ

ومُعينٍ على الأسى ومُعان

حطِّمِ العودَ، ليس فينا مَغاني

هِ، وما يبعثُ الهوى والأماني

ليس فينا من كان يهتفُ بالسَّجْ

عِ، ويُشجي سواجعَ الأغصان!

حطِّمِ العودَ، إننا قد سئمنا ال

عيشَ في فُرقةٍ من الإخوان!

وكفانا من الحياة أنينٌ،

والْتِياعٌ، في السرِّ والإعلان!