سألتُ أبي والليلُ يرخي ستورَهُ
وريحُ الدُّجى في الأفقِ تعوي وتزأَرْ
فَقُلْتُ أأذْكُرُ حُبَّ سَارَةَ بَيْنَكُمْ
فَقَالَ إِذَا كَانَ الوَفَاءُ فَمَا تَذَرْ
فَقُلْتُ: رَأَيْتُ القَلْبَ مِنْهَا حَصَانَةً
إِذَا هَاجَتِ الدُّنْيَا عَلَيْنَا سَتَصْبِرْ
لَهَا فِي حَنَايَا القَلْبِ دُورٌ وَمَظْهَرُ
إِذَا ضَلَّ فِكْرِي عِنْدَهَا يَتَبَصَّرْ
فقالتْ لَنَا أُمِّي: أفيها قَرابَةٌ؟
فقلتُ: لَها في الرُّوحِ أَصْلٌ ومُسْتَقَرّْ
إِذَا ضَحِكَتْ طَاعَ الزَّمَانُ لِأَمْرِهَا
وَإِنْ صَمَتَتْ قَامَتْ حَدِيثَ المَنَابِرْ
أبي قالَ: هل هذي النساءُ سوى الهوى؟
فقلتُ: وفي "سارة" الحجا يُستبصرْ
هِيَ الطُّهْرُ إِنْ مَرَّتْ وَهِي النَّدَى الَّذِي
إِذَا قَحَطَتْ أَيَّامُنَا النَّاسُ تُقْفِرْ
تَقُولُ لِيَ الأُمُّ: اخْشَ لَحْظَ مَرَارَةٍ
فَقُلْتُ: مَرَارُ البُعْدِ عَنْهَا هُوَ المُرّْ
فَقَالَ أَبِي: هَلْ يَثْبُتُ القَلْبُ بَيْنَهُمْ؟
فَقُلْتُ: يَذُوبُ القَلْبُ لَكِنْ يَتَحَجَّرْ
إِذَا نَظَرَتْ قَالَتْ بِلَا نُطْقِهَا: هُنَا
مَقَامُكَ فَاسْكُنْ، لَا تَكُنْ فِي تَحَيُّرْ
تَقُولُ لِيَ الأُمُّ: احْفَظِ العَهْدَ إِنْ نَأَتْ
فَقُلْتُ: إِذَا غَابَتْ فَقَلْبِيَ مُسْتَعِرْ
فَقَالَ أَبِي: إِنْ خَانَتِ العَهْدَ؟ قُلْتُ: مَنْ
يَخُونُ ذِمَامَ الحُبِّ لَا لَيْسَ يُعْذَرْ
تَقُولُ لِيَ الأُمُّ اسْتَفِقْ، أَيْنَ الحِجَى؟
فَقُلْتُ: هُوَ العَقْلُ إِنْ زَلَّتْ فِكَرْ
أَقَالَ أَبِي: أَتَرْضَى بِهَا زَوْجاً لَنَا؟
فَقُلْتُ: بِهَا تَرْضَى السَّمَاءُ وتَزْدَهِرْ
بِهَا يَسْتَقِيمُ الدَّهْرُ إِنْ كَانَ أَعْوَجًا
وَمِنْ دُونِهَا الأَيَّامُ دَوْمًا تَعَثَّرْ
تَقُولُ لِيَ الأُمُّ: استَفِقْ، هَل تَرَى بِهَا
أُمُومَةَ طِفْلٍ، قَبْلَ مَهْدٍ سَيَزْهَرْ
أبي قالَ: مَنْ يركبْ مِنَ الصِّدْقِ مَرْكباً
بِمُجْتَمَعِ الأهوالِ يَنْجُ ولا يُقْهَرْ
فَقُلْتُ: شَهِدْتُمْ أَنَّ هَذَا هَوَى الصِّبَا
عُهُودٌ، وَلَيْسَتْ لَهْوَةً ثُمَّ تُنْكَرُ
فَبُورِكَ حُبٌّ ضَمَّنَا فِي ثَلَاثَةٍ
أَبٌ ثُمَّ أُمٌّ وَالفُؤَادُ المُهَاجِرْ