تخطَّ إلى المحتوى

تذكرت جلق والزمان الذي مضى

الطويل

٨٣ بيت

المديح

تَذَكَّرتُ (جِلَّقَ) وَالزَّمانَ الَّذي مَضَى

وَفَيضَ حَنينٍ في الحَشاشَةِ شاكِيا

عِشرونَ عاماً وَالجَوى يَقضِمُ الحَشى

وَما زِلتُ عَن رَيّا الشَّآمِ نَوائِيا

سَقَى اللهُ أَياماً بِ (رَبْوَةِ) جِلَّقٍ

قَطَعتُ بِها دَهري وَما كُنتُ ساهِيا

وَكَم لِيَ في (الشَّعلانِ) لَهوٌ وَمَوعِدٌ

وَشَوقٌ نَما في (الصَّالِحِيَّةِ) زاكِيا

أَمُرُّ عَلى (الفَيحاءِ) طِفلاً وَيافِعاً

وَأَلثِمُ تُرْبَ (القاسِيُونِ) الرَّواسِيا

فَقالَ رَفيقي: هَل رَأَيتَ كَواكِباً؟

فَقُلتُ: بَلِ (الأَمَوِيُّ) لاحَ عِيانِيا

تَسَامى مَناراً لِلعُصورِ وَعِزَّةً

وَشَقَّ سَوادَ اللَّيلِ فَجراً تَباهِيا

خَليلَيَّ عُوجا بِي عَلى (بَابِ تُومَةٍ)

لَعَلَّ عَبيرَ المِسكِ يُشفي فُؤادِيا

أَشُمُّ (بَرَدَى) في خَيالي وَأَنطَوي

عَلى حُرَقٍ تَذرُو العِظامَ البَوالِيا

فَما (قَيسُ) إِذ يَبكي لِ (لَيلى) بِمِثْلِ مَن

يَنُوحُ عَلى الفُسطاطِ عِزّاً وَنادِيا

فَيا لَيتَ شِعري هَل أَشُمُّ تُرابَها؟

وَأَحضُنُ (زَيتُوناً) حَنا لِيَ حانِيا

وَيا (جِلَّقَ) الأَمجادِ صَبراً فَإِنَّني

حَمَلتُكِ في الأَجفانِ وَالوِردُ آتِيا

تَضيقُ بِيَ الدُّنيا وَأَنتِ رِحَابُها

وَيَصرَخُ بِي صَمتي: مَتَى التَّلاقِيا؟

سَلامٌ عَلى السَّيفِ الدِّمَشْقِيِّ بَاتِراً

يُؤَدِّبُ صَرْفَ الدَّهْرِ إِنْ جَاءَ عادِيَا

بَنَاهَا أُبَاةُ الضَّيْمِ صَرْحاً مُشَيَّداً

وَصَاغُوا لَها التَّاجَ السَّنِيَّ المَوالِيَا

فَكَمْ غَازِيٍ دَاسَ التُّرابَ وَنَصْلُهُ

ذَليلٌ، وَعَادَ الرُّعْبُ في القَلْبِ ثَاوِيَا

تَمُرُّ جُيوشُ البَغْيِ صَرْعَى بِبَابِهَا

وَتَبْقَى دِمَشْقُ المَجْدِ حِصْناً نَوَاجِيَا

مَشَتْ فَوْقَ هَامِ القَيْصَرَيْنِ خُيُولُنَا

وَكُنَّا لِعَرْشِ الأُفْقِ صَحْباً وَرَاعِيَا

فَسَلْ عَنْ بَنِي مَرْوانَ حِينَ تَمَدَّدُوا

مِنَ الصِّيْنِ حَتَّى الغَرْبِ جَابُوا الأَقَاصِيَا

هُنَا خَالِدٌ أَرْسَى العِمَادَ بِنَصْرِهِ

وَشَادَ بِهَا بُخْتُنْصَّرٌ لِي مَبَانِيَا

وَهَذا صَلاحُ الدِّيْنِ فِي القَلْعِ جَاثِمٌ

يُعَلِّمُ جِيْلَ القُدْسِ كَيْفَ التَّوافِيَا

لَحى اللهُ أَقْوَاماً بَنَوْا لِيَ غُرْبَةً

وَصَدُّوا طَرِيْقَ المَجْدِ عَنِّي وَمَالِيَا

فَمَا هُزِمَتْ بَرْدَى وَإِنْ غِيْضَ مَاؤُها

وَلا انْحَنَتِ الفَيْحَاءُ يَوْماً لِغَازِيَا

فَإِنْ صَبَّتِ النَّكْبَاتُ نَاراً بِسَاحِهَا

سَتَنْبُتُ مِنْ بَيْنِ الرَّمَادِ الثَّوَانِيَا

تُعَانِقُ أَرْوَاحُ الأُبَاةِ سَمَاءَهَا

وَتَغْسِلُ عَنْ وَجْهِ الحَضَارَةِ مَا بِيَا

أَلَمْ تَرَ أَنَّ الدَّهْرَ طِفْلٌ بِحِجْرِهَا؟

يُقَبِّلُ كَفَّ الأُمِّ بَكْراً وَآتِيَا

عَذِيري مِنَ الأشواقِ هَزَّتْ رِكابِيا

وَفَاحَ عَبِيرُ (المِذْنَةِ) البِيضِ زاكِيَا

أَحِنُّ لِأَحْجَارِ (القَيْمَرِيَّةِ) كُلَّمَا

غَفَتْ شَمْسُنا فَوْقَ (الدَّقِّ) تَلثِمُ بَالِيَا

وَأَذْكُرُ جُدْرَاناً بِ (سَارُوجَةَ) انْحَنَتْ

لِتَحْرُسَ سِرَّ (الحَارَةِ) الغُرِّ بَاقِيَا

تَسَلَّقَ فِيهَا (اليَاسَمِينُ) سَمَاءَنَا

فَأَمْطَرَ نُوراً فِي الزَّوَارِيبِ طَاغِيَا

إِذَا نَسَمَاتٌ مِنْ (رُبَى كَيْوَنٍ) سَرَتْ

بَكَيْتُ وَأَبْكَيْتُ القُلُوبَ الصَّوَادِيَا

فَمَا (عِطْرُ بَارِيسٍ) وَإِنْ جَلَّ سِحْرُهُ

كَرِيحِ (تُرَابِ الشَّامِ) بَلَّتْ رِدَائِيَا

هُنَا (نَوْفَرَةُ) الحَكْوَاتِي يَرْوِي بِمَسْمَعِي

أساطِيرَ قَوْمٍ لا تَهَابُ العَوَادِيَا

وَمِنْ (بَابِ شَرْقِيٍّ) لِ (مِدْحَتَ) سَيْرُنَا

بَقَايَا خُطَانَا وَالسِّنينَ الغَوالِيَا

أَمُرُّ بِ (سُوقِ العَصْرُونِيَّةِ) طَائِفاً

كَأَنِّي أَرَى فِيهِ (الشَّآمَ) أَمَانِيَا

تُقَبِّلُنِي فِيهِ (البُحَيْرَةُ) فِي المَدَى

وَتَسْقِي حَنِينِي مِنْ (فُيُوضِ) سَوَاقِيَا

فَمَا ذُقْتُ طَعْمَ (النَّبْعِ) إِلَّا تَمَثَّلَتْ

لِيَ (العَيْنُ) فِي (الرَّبْوَةِ) تَرْوِي لِيَ الظَّامِيَا

عِشْرُونَ لَمْ تَغْسِلْ عَنِ الأَنْفِ نَفْحَةً

لِخُبْزٍ رَمَى فِيهِ (التَّنُّورُ) الحَوَاشِيَا

وَلَا نَسِيَتْ رُوحِي (عَرَائِشَ) كَرْمِنَا

وَلَا قَهْوَةً فَاحَتْ لَدَى (بَابِ جَابِيَا)

تَشَظَّتْ نِيَاطُ القَلْبِ يَوْمَ رَحِيلِنَا

وَخَلَّفْتُ رُوحِي في (الحِجازِ) ثَوَائِيَا

عِشْرُونَ عاماً كَالقِيَامةِ طُولُهَا

أَعُدُّ ثَوانِيها وَأُحْصِي اللَّيالِيَا

وَدَّعْتُ (جِلَّقَ) وَالعُيونُ كَأَنَّها

مَزَارِيبُ غَيْثٍ لَمْ تَدَعْ لِيَ مَاقِيَا

فَلَمْ أَرَ يَوْماً كَالفِرَاقِ مَرَارَةً

وَلا كَأَنِينِ الرُّوحِ تَنْعَى الأَمَانِيَا

خَرَجْتُ وَصَدْرِي فِيهِ طَعْنَةُ غُرْبَةٍ

تَجُرُّ خُطَايَ المُرَّ خَلْفَ رِدَائِيَا

فَيَا لَيْتَ أَنَّ الأَرْضَ طُوِيَتْ مَسَافَةً

وَيا لَيْتَ أَنَّ المَوْتَ حَلَّ حِيَالِيَا

أُحِسُّ بِوَجْدٍ لَوْ أَصَابَ نَوائِحاً

لَأَصْبَحَ دَمْعُ العالَمِينَ دَوَالِيَا

وَمَا لِيَ لا أَبْكِي وَقَدْ غِيضَ مَنْهَلِي

وَأُبْدِلْتُ مِنْ بَعْدِ العَرِينِ فَيَافِيَا؟

أَرى القَلْبَ يَهْوِي كُلَّمَا مَرَّ ذِكْرُهَا

كَمَا يَهْوِيَ النَّجْمُ الَّذي كَانَ هادِيَا

فَإِنْ سَأَلُونِي: كَيْفَ صَبْرُكَ بَعْدَهَا؟

أَقُولُ: وَهَلْ أَبْقَى الحَنِينُ فُؤادِيَا؟

رَمَتْنِي صُرُوفُ الدَّهْرِ عَنْ قَوْسِ غُرْبَةٍ

فَأَصْمَتْ صَمِيمِي وَاسْتَبَاحَتْ خَوَالِيَا

وَمَا نَفَعَتْنِي مِصْرُ أوْ أَرْضُ قَيْصَرٍ

وَلا طَابَ لِي رَغْدٌ وَإِنْ كَانَ صَافِيَا

أُكَلِّمُ طَيْفَ (الشَّامِ) في كُلِّ لَيْلَةٍ

وَأَلْثِمُ رِيحاً زَارَتِ (الغُوطَتَانِيَا)

فَوَا لَهَفَ نَفْسِي كَمْ أَمُوتُ بِنَزْعَةٍ

وَأُحْيَى بِذِكْرَى أَنْ تَؤُوبَ لَيَالِيَا

سَيَنْجَابُ هَذا اللَّيْلُ عَنْ وَجْهِ جِلَّقٍ

وَيَطْلُعُ بَدْرٌ كَانَ فِي الغَيْبِ ثَاوِيَا

وَتَصْحُو (رَوَابِي الشَّامِ) مِنْ بَعْدِ نَوْمَةٍ

لِتَلْبَسَ ثَوْبَ العِزِّ غَضّاً وَضَافِيَا

إِذَا مَا دَعَتْنِي (قَاسِيُونُ) لِفَجْرِهَا

سَعَيْتُ حَفِيَّاً، هَائِمَ القَلْبِ، حَافِيَا

وَيَرْجِعُ ذَاكَ (اليَاسَمِينُ) لِطُهْرِهِ

وَيَنْشُرُ فِي الدُّنْيا العَبِيرَ المُدَاوِيَا

هُنَاكَ سَأُلْقِي عَنْ كَاهِلِي ثِقْلَ غُرْبَتِي

وَأَنْسَى عَذَاباً فِي المَنَافِي بَرَانِيَا

فَمَا جَفَّ نَبْعُ (الفَيْجَةِ) الغَمْرِ مَاؤُهُ

وَمَا زَالَ صَدْرُ الأُمِّ لِلابْنِ حَانِيَا

سَنَبْنِي قُصُورَ المَجْدِ فَوْقَ رَمَادِهَا

وَنُعْلِي مَنَاراً لِلْحَضَارَةِ سَامِيَا

فَيَا قَيْسُ سَلِّمْ.. إِنَّ لَيْلَاكَ طَفْلَةٌ

أَمَامَ (دِمَشْقٍ) إِذْ تُعِيدُ المَجَالِيَا

قَضَى اللهُ أَنَّ الشَّامَ لِلْخُلْدِ مَنْزِلٌ

فَهَاكَ يَقِينِي.. فَانْتَظِرْ لِيَ آتِيَا

فَلا تَعْذُلُوا مَنْ ذَابَ وَجْداً بِتُرْبِهَا

فَمَا بِيَ سِحْرٌ.. بَلْ هِيَ الشَّامُ كَمْ هِيَا

أَمُرُّ كَأَنِّي فِي الصَّلاةِ بِ (شَاغُورِها)

وَأَحْنِي جَبِينِي لِ (المُصَلَّى) جُوِارِيَا

هُنَا (زَيْنَبُ) الطُّهْرِ اسْتَقَرَّ رِحَابُهَا

وَفِي (القَصْعِ) أَجْرَاسٌ تُنَاجِي الأَمَانِيَا

تَعَانَقَ (مِحْرَابٌ) وَ (دَيْرٌ) بِلَهْفَةٍ

فَأَيْنَ لِ (قَيْسٍ) مِثْلُ هَذَا التَّآخِيَا؟

سَلُوا (بَابَ سُرِيْجٍ) عَنْ حَكَايَا فُتُوَّةٍ

وَعَنْ كَرَمٍ فَاضَتْ بِهِ كَفُّ أَهْلِيَا

إِذَا ذُكِرَ (المَيْدَانُ) جَاعَتْ مَوَاجِعِي

لِصَحْنٍ مِنَ (الفُولِ) الشَّهِيِّ وَمَا لِيَا

وَرَائِحَةِ (النَّعْنَاعِ) فِي كُلِّ بَسْطَةٍ

وَصَوْتِ (نِدَاءِ) السُّوقِ يَهْزِجُ عَالِيَا

هُنَاكَ (البَكْدَاشُ) الَّذِي دَاعَبَ الرُّؤَى

وَبَرْدُ (الثُّلُوجِ) الحُلْوِ يَجْلُو صَدَائِيَا

فَلَا جَبَلٌ فِي الأَرْضِ يُشْبِهُ (قَاسِياً)

وَلا طَابَ لِي أَنْسٌ وَإِنْ بَانَ حَالِيَا

أَنَا الشَّامُ.. مَهْمَا عِشْتُ فِي نَفْيِ غُرْبَتِي

أَنَا الحَجَرُ المَرْصُوفُ يَحْفَظُ خَطْوِيَا

فَلَوْ فَتَّشُوا قَلْبِي لَشَمُّوا (تُرَابَهَا)

وَلَوْ نَظَرُوا عَيْنِي رَأَوْا (أُمَّوِيِّيَا)

أَمَا وَالَّذِي أَرْسَى (بَقِيَّةَ جِلَّقٍ)

لَقَدْ هَدَّ هَذا البَيْنُ كُلَّ قُوَائِيَا

أَحِنُّ لِ (بَيْتٍ) فِي الزَّمَانِ عَرَفْتُهُ

بِحِيطَانِهِ السَّوْدَاءِ تَحْمِي رَجَائِيَا

وَ(بَحْرَتُهُ) فِي الوَسْطِ تَعْزِفُ لَحْنَهَا

وَتَسْقِي شَمِيمَ الوَرْدِ تَرْوِي الدَّوَالِيَا

وَمَا نَسِيَتْ نَفْسِي (التَّخْتَ) وَظِلَّهُ

وَلَا (لَارَنْجَةً) مَالَتْ تُدَاعِبُ حَالِيَا

هُنَاكَ (عَرِيشُ) الكَرْمِ يَعْقِدُ سَقْفَهُ

وَتَنْشُرُ فِيهِ (الأُمُّ) عِطْراً رَخَاوِيَا

أَيا لَيْتَنِي (عَتَبٌ) بِبَابِ دِيَارِنَا

أُقَبِّلُ مَنْ يَأْتِي وَأَحْرُسُ آتِيَا

أَنَا المَلِكُ المَنْفِيُّ عَنْ عَرْشِ دَارِهِ

وَمَا كَانَ عَرْشِي غَيْرَ حِضْنِ شَآمِيَا

فَمَا (بَيْتُ لَيْلَى) لَوْ نَظَرْتَ لِحُسْنِهِ

سِوَى خَيْمَةٍ لَمْ تَعْرِفِ (العَلْيَائِيَا)

وَبَيْتِيَ تَارِيخٌ يُطِلُّ مِنَ المَدَى

وَيَحْمِلُ عَنْ كَتْفِ الزَّمَانِ المَبَانِيَا

سَأَبْقَى أُنَادِيها وَإِنْ شَحَّ صَوْتُهَا

(دِمَشْقُ).. وَهَلْ بَعْدَ (دِمَشْقَ) غَوَالِيَا؟