تخطَّ إلى المحتوى

سل الفجر عن سارة وعن طيب ذكرها

الطويل

٦٠ بيت

النسيب

سَلِ الفجرَ عن "سارة" وعن طِيبِ ذِكرِها

إذا هبّ من نحوِ الشآمِ يُحيّيني

عَشرٌ مَضتْ والوجدُ ينهشُ مُهجتي

كأنَّ عقودَ البينِ شوكُ سكاكيني

فلا العينُ بعدَ النّأيِ تبصرُ وجهَها

ولا ريحُ مِسكٍ من شذاها يواتيني

غزالٌ سباني باللحاظِ وجيدُه

أذلّ ملوكَ الأرضِ حتى السلاطيني

بكيتُ عليها والمدامعُ أُرسلتْ

نواعيرَ دمعٍ في الخدودِ مواعيني

سقى اللهُ أياماً بِقُربِكِ أقبلتْ

وقد كان كأسُ الوصلِ شهداً يروّيني

فيا حرقةَ الأحشاءِ كيف تسلّلتْ

لروحي، وبات السهدُ وحداً يُماشيني

أتحدّى بكائي كلَّ صبرٍ حملتُه

وفقدُكِ يا "سارة" بالنارِ يَصليني

رأيتُ خيالاً في المنامِ يزورُني

فقمتُ له شوقاً، فغارَ يُجافيني

هي الروحُ ضاعتْ يومَ شُدّتْ رحالُهم

فمن ذا ببعدِ الروحِ عنكِ يُعزّيني

عَشْرٌ عِجافٌ لا "سَارَةُ" جادتْ بِلَفْظَةٍ

وَلا طَيْفُهَا عِنْدَ المَنَامِ يُدَانِينِي

نَسِيتُ مَذَاقَ الصُّبْحِ مُذْ غَابَ وَجْهُهَا

وَصَارَ سَوَادُ اللَّيْلِ كَفْناً يُغَطِّينِي

هِيَ الغَائِبُ الحَاضِرُ فِي كُلِّ نَبْضَةٍ

وَهِيَ المَنَعُ والحِرْمَانُ حِينَ يُنَادِينِي

تَقَطَّعَتِ الأَسْبَابُ دُونَ عَبِيرِهَا

فَلا الوردُ يُغْنِينِي وَلا المِسْكُ يُشْجِينِي

أَمُصُّ رُضَابَ الصَّبْرِ وَالصَّبْرُ عَلْقَمٌ

وَأَشْرَبُ مِنْ كَأْسِ الفِرَاقِ غَسَالِينِي

وَمَا الحُبُّ إلا غُصَّةٌ بَعْدَ غُصَّةٍ

تَمُجُّ دَمَ العَيْنَيْنِ فَوْقَ الشَّرَايِينِ

أَطُوفُ بِأَطْلالِ الذِّكْرِ كَأَنَّنِي

غَرِيبٌ نَفَاهُ البَيْنُ بَيْنَ الفَرَاعِينِ

أُسَائِلُ عَنْ عِطْرٍ لَهَا كَانَ سُنَّةً

فَأُرْتَدُّ مَكْسُوراً بِخَيْبَةِ مِسْكِينِ

فَلَوْ كَانَ نَارُ الوَجْدِ تُحْرِقُ مَرَّةً

لَهَانَ، وَلَكِنَّ الفِرَاقَ يُجَزِّينِي

أَنَا المُعْدَمُ المَحْرُومُ مِنْ رُوحِ رُوحِهِ

وَقَلْبِي يَتِيمٌ ضَاعَ بَيْنَ المَيَادِينِ

بَكَتْ رُوحِيَ الثَّكْلَى قُبَيْلَ مَحَاجِرِي

وَسَالَ نَجِيعُ القَلْبِ فِي جَفْنِ مَحْزُونِ

تَفَتَّتَ صَرْحُ النَّفْسِ حِينَ ذَكَرْتُهَا

كَأَنِّيَ صَخْرٌ خَرَّ بَيْنَ المَطَاحِينِ

أَنَا جَسَدٌ مَلَّ الحَيَاةَ لِفَقْدِهَا

وَرُوحِي سَجِينٌ تاقَ بَيْنَ القَوَانِينِ

تَمُرُّ بِيَ الذِّكْرى فَتُرْعِدُ مِفْصَلِي

وَتَنْبِتُ أَوْجَاعِي كَشَوْكِ السَّرَاحِينِ

عَشَرْتُ بِعَشْرٍ مِنْ سِنِيِّ تَجَلُّدِي

فَمَا زَادَنِي الإِغْضَاءُ غَيْرَ تَهَاوِينِ

أَيَا لَهْفَ نَفْسِي كَيْفَ غَابَ شُرُوقُهَا

وَأَوْدَعَ كُلَّ الكَوْنِ طَيَّ الزَّنَازِينِ

فَلَوْ نَطَقَ الدَّمْعُ الهَتُونُ لَقَالَ لِي

رَحِيلُكَ يَا مَحْرُومُ أَدْمَى المَوَازِينِ

أَرَى جُثَّتِي تَمْشِي وَقَلْبِي مُعَلَّقٌ

بِأَذيَالِ ثَوْبٍ غَابَ عَنْ كُلِّ تَبْيِينِ

فَمَا الروحُ إلا شُعْلَةٌ قَدْ أَطَفْأَتْ

يَدُ البَيْنِ مِنهَا ضَوْءَ تِلْكَ القَرَابِينِ

أَكُونُ وَلا أَدْرِي لِمَاذَا بَقَاؤُهُمْ

وَ"سَارَةُ" عَنِّي حِيلَ دُونَ المَيَامِينِ

لَوِ اسْتُوقِفَ النَّسْرِينُ عَنْ طِيبِ نَشْرِهِ

لَقَالَ: شَذَا "سَارَة" بِرَوْحِي يُغَذِّينِي

عَشِقْتُ بِهَا وَجْهاً إِذَا ذُرَّ نُورُهُ

أَهَلَّتْ تَبَاشِيرُ الضُّحَى فِي الأَيَادِينِ

تَمُرُّ بِيَ الذِّكْرَى فَيَعْبَقُ مَنْزِلِي

بِعِطْرٍ قَدِيمٍ خَالَطَ الدَّمْعَ فِي طِينِي

فَيَا ضَيْعَةَ الدُّنْيا وَإِشْرَاقُ وَجْهِهَا

مَغِيبٌ وَقَدْ ضَلَّتْ خُطَاهَا عَنَاوِينِي

حَمَلْتُ لَهَا مَدْحاً لَوِ الرَّوْضُ حَازَهُ

لَمَا كَانَ مَحْتَاجاً لِغَيْثِ القَرَاحِينِ

فَيَا وَجْهَ مَنْ أَهْوَى وَيَا سِرَّ بَهْجَتِي

مَتَى نُورُكَ القُدُّوسُ بِالوَصْلِ يَأْتِينِي؟

أَرَى كُلَّ حُسْنٍ دُونَ حُسْنِكِ فِتْنَةً

وَصَبْرِي عَلَى فَقْدِ الجَمَالِ يُعَنِّيْنِي

تَعَذَّرَ أَنْ تَلْقَى العُيُونُ نَظِيرَهَا

وَعَزَّ عَلَى الأَرْوَاحِ رِيحُ الرَّيَاحِينِ

فَمَا الشَّمْسُ إلا بَعْضُ لَمْحَةِ طَرْفِهَا

وَمَا البَدْرُ إلا خَادِمٌ لِلْمَضَامِينِ

فَيَا رَبُّ لا تَقْطَعْ رَجَائِي بِعِطْرِهَا

فَإِنَّ شَذَاهَا وَحْدَهُ مَا يُدَاوِينِي

أَيَا رَبُّ هَذَا العَقْدُ قَدْ تَمَّ بَيْنَنَا

عَشِيراً مِنَ الأَوْجَاعِ لَمْ يَبْقَ يُبْقِينِي

سَأَلْتُكَ بِ "السِّينِ" الَّتِي فِي ابْتِدَائِهَا

بِ (سَارَةَ) أَنْ تُرْخِي حِبَالَ المَسَاجِينِ

فَمَا لِي سِوَى ذِكْرَاهَا زَاداً وَمَشْرَباً

وَمَا لِي سِوَى الأَشْوَاقِ نَاراً تُدَفِّينِي

فَيَا رِيحَ هَبِّي مِنْ دِيَارٍ تَحُلُّهَا

وَجُرِّي ذُيُولَ الوَصْلِ لَعَلَّكِ تُبْرِينِي

أَنَا الصَّبُّ بَيْنَ الخَلْقِ أَضْحَى حِكَايَةً

تُرَدِّدُهَا الأَجْيَالُ عَبْرَ القَوَانِينِ

فَإِنْ عِشْتُ فَالآمَالُ عَيْنٌ لِرُؤْيَتِي

وَإِنْ مِتُّ فَالإِخْلاصُ بَعْدِي سَيَرْثِينِي

كَتَبْتُ بِمَاءِ القَلْبِ لا بِمِدَادِهِ

قَصِيداً يَهَدُّ الشُّمَّ مِنْ عَهْدِ صِهْيُونِ

تَحَدَّيْتُ فِيهِ ابْنَ الخَطِيبِ وَنَظْمَهُ

بِنَظْمٍ كَمِثْلِ التِّبْرِ فِي عَيْنِ مَثْمُونِ

فَمَا "جَادَكَ الغَيْثُ" اسْتَطَاعَتْ لِحَاقَنَا

وَقَدْ غَرِقَ الأَنْدَلْسَ فِي فَيْضِ تَكْوِينِي

فَصَلِّي إِلَهِي كُلَّمَا نَاحَ فُرْقَةً

مُحِبٌّ سَقَاهُ البَيْنُ كَأْسَ الغَسَالِينِ

مَضَتْ عَشْرُ أَعْوَامٍ وَعَهْدِيَ مَوْثِقٌ

كَأَنِّي نَذَرْتُ العُمْرَ فِي دَيْرِ رَهْبِينِ

فَمَا غَيَّرَ الهِجْرَانُ حَرْفاً بِقِصَّتِي

وَلا بَدَّلَ الحِرْمَانُ عَهْدَ المَيَامِينِ

أَنَا الفَارِسُ المَغْلُوبُ فِي حَرْبِ حُبِّهَا

وَلَكِنَّنِي فِي الصَّبْرِ رَبُّ المَيَادِينِ

إِذَا سَأَلُوا مَنْ كَانَ أَصْدَقَ عَاشِقٍ؟

أَشَارَتْ حُرُوفِي: ذَاكَ صَبٌّ يُبَارِينِي

سَلُوا "ابْنَ خَطِيبِ" الغَرْبِ عَنْ سِرِّ نَظْمِهِ

سَيَعْلَمُ أَنَّ الشَّوْقَ بِالحَقِّ يُصْمِينِي

بَنَيْتُ لِ "سَارَة" فِي الخَيَالِ مَمَالِكاً

تَضِيقُ بِهَا ذِكْرَى قُصُورِ السَّلاطِينِ

فَمَا كُلُّ مَنْ نَظَمَ القَرِيضَ بِمُوجَعٍ

وَلا كُلُّ مَنْ ذَرَفَ الدُّمُوعَ بِتِشْرِينِ

خَتَمْتُ بِذِكْرِ اللهِ قَوْلِي وَمَدْحَتِي

وَجَعَلْتُ سَارَةَ نُورَ كُلِّ العَرَاجِينِ

هِيَ الَّتِي فِي القَلْبِ تَمَّ خُلُودُهَا

وَهِيَ الَّتِي فِي الرُّوحِ ضَرْبُ المَضَامِينِ

أَمُرُّ عَلَى الأَيَّامِ عَشْراً كَأَنَّهَا

دُهُورٌ، وَذِكْرَى "سَارَةٍ" هِيَ دِينِي