معذرةً يا أبي، فلن أعودْ،
عزمتُ أمري يا أبي، ولن أعودْ.
أهمُّ بالمسيرِ بعدَ كثيرِ التردُّدْ،
آهٍ يا أبي من فراقِكَ المُتعمَّدْ!
عندي لكَ كلُّ الثناءِ، ومعذرةْ،
فلن أنسى جذوري ومحتدي.
أنا مُفارقٌ يا أبتي،
سوفَ أُلقي في المسيرِ من غدي.
أخبِرْ أُمَيمةَ لا تلاقي بعدَ اليومِ،
أو لا موعدِ،
ولها عندي لواعجُ الشوقِ من سالفِ الأبدِ.
ودَّعتُها مُجبراً، فلمستُ مخضوبَ البنانْ،
وصافحَتْني باليدِ.
باقٍ بصَدري لظى الشوقِ لها،
يَصِلُني ناراً كالسعيرِ المُوقَدِ.
أأتركُ بغدادَ – لطالما رنا لها ملوكُ الكونِ –
إني أراكَ وحيداً أُوحدِ؟!
لن أعودْ، وفي ديارنا الخوفُ،
خوفٌ من الحاكمِ والمحكومِ،
هنا مُعتقلٌ ومفقودْ،
وهناكَ معدومٌ وشهيدْ،
خوفٌ من جارِنا العتيدْ،
خوفٌ من مستقبلِنا الوئيدْ.
أمرتَني أمراً فما ائتمَرتُ بهِ،
إني توكَّلتُ على الواحدِ الصمدِ.
لا دارَ لي فيها ولا فسطاطْ،
أمَا لي فيها معبدي؟!
جميلةٌ بغدادُ يا أبي، لكنَّ لي بها
عيشةَ المُتشردِ.
لا رعى اللهُ أمسي، إذ كان أجملَ من غدي!
تتخبِّطُ الأيامُ دون مشيئتي عَشْواءْ،
ليس فيها راشدٌ ولا مُرشِدِ،
يعبثُ بها القائدُ، لا جَدوى ولا رشَدِ.
غداً – يا أبتي – تفريقُ الأحبَّةْ،
لا رعى اللهُ ذاك الغدِ!
نعم يا أبي، عزمتُ أمري، ولن أحفلَ
بتنعابِ الغرابِ الأسودِ.
إن حُمَّ القضاءُ وحانت منيّتي،
لا تحزنْ،
ولا ترجُ إلا شفاعةَ الواحدِ الأحدِ.
موعدُنا في جنانِ الخلدِ، أَراكَ فيها
خالداً ومُخلَّدِ.
"هل تعود؟"
يسألُني أبي... متى تعودْ؟
هل ذهبتُ أنا كي أعودْ؟
نعم، هاجرتُ، لم أهاجرْ بالروحِ،
فقط هاجرتُ في جسدي.
ما زال خافقي في أُفقِ العراقِ،
وأشجاني ومَورِدي.
ألقى الزمانُ عليَّ ما لم أجنِه
من سَقَمٍ أَلَمَّ بي في جسدي.
لا السَّقَمُ يبرأُ، لا عَودي يُؤاسيني،
ولا يُجدِي عَوَدي.
أنا في نيوزيلاندْ يا أبي،
حيث حالت قُرى الصينِ والهندِ والبحرُ بيننا،
ولي بها دارٌ أشيدُ بقرمِدِ.
فيها ترعرعَ الفتيانُ، أم كان نأيي عنكم بسَرمَدِ؟!
عشرون حِجَّةً خلَوْنَ،
لم تَنقُصْ ولم تَزِدِ.
ما أنصفَ البُعدُ بيني وبينكمْ،
ولا انطفأتْ نارُ لَظاها بقبضةِ اليدِ.
بَلَغَني أن جَفَّتْ عرائشُ الكرومِ،
وشَحَّ الماءُ في سائرِ البلدِ.
أم نبتةُ الزيتونِ ما زالتْ،
وما زال غصنُها النَّدِي؟
أبيتَ اللَّعنَ، إنكَ لم تزَلْ
حكيماً بصُنعِ الحديثِ وصنعةِ اليدِ،
واثقاً في عَليائِكَ كالضَّيغمِ الأسدِ.
تَعفى الديارُ وتَفنى يا أبي،
فلعلَّ المآثرَ تُخلَّدِ.