تخطَّ إلى المحتوى

أبا الشعر هب لي من بيانك مسعدا

غير معروف

٣٦ بيت

المتفرقات

أبا الشعرِ هَبْ لي من بيانِك مُسْعِدا

ليُلهمَني فيك الرثاء المخلَّدا

ألم يكفِ مصرًا أن تودِّعَ «حافظًا»

وقد كان للفُصحَى إمامًا وسيِّدا؟

فهل جئتَه شوقًا إليه؟ وهل أبَى

وفاؤُكَ إلا أن تَمدَّ له يدا؟

لقد كنتَ في الدنيا وفاءً مُجسَّمًا

فأصبحْتَ في الأخرى أبَرَّ وأحْمدا

وأيُّ وفاءٍ يرقبُ الناس مثلَه

أحبُّ وأصفَى من وفائِك موردا؟

تذكَّرْتَ إخوانَ الصفاءِ وقد رَمَتْ

صُروفُ الردى سهمًا إليك مُسَدَّدًا

فأوصيتَ فيهم بالسلام، ولو دَرَوْا

لَوافَوْا سراعًا يشتهون التَّزَوُّدا

وأقبلَ دانيهم وقاصِيهم معًا

يُفدُّون بالأرواح لو كُنتَ تُفتَدَى

أحين استَرحْنا واطمأنَّتْ نفوسُنا

إلى المجمعِ المشهودِ أعجَلَكَ الردى؟

فهَدَّ من البُنيان رُكنًا مُشيَّدًا

وأطفأَ نِبْراسًا وغيَّبَ فرقدا

أحين تعالى البدرُ في الأوْجِ ساطعًا

وأصلحَ هذا الدهرُ ما كان أفسدا؟

نأيْتَ على رَغمٍ وأبقيْتَ حسرةً

تُذيبُ، وخلَّفْتَ الأنينَ المردَّدا!

وليس عجيبًا أن تشطَّ بكَ النوى

فما تقربُ الغاياتُ إلا لتَبْعُدا

رفعْتَ لواءَ الشعرِ والنثرِ عاليًا

فَخرَّ مُجيدو الشعرِ والنثرِ سُجَّدا

وسُسْتَ فنون القول فارْتاضَ صعبُه

وزوَّدْتَه الحُسنى، فأبلغتَه المدى

وكم لك آياتٌ جمعْتَ شَتاتَها

ونظَّمْتَها عِقْدًا فريدًا مُنضَّدا

شهدْنا بها التاريخَ أنصعَ حجَّةً

وأوضحَ مِنْهاجًا وأفسحَ مُنتدَى

وكم صُغتَ ألحانًا بعثْتَ حنينَها

مُعينًا على هَمِّ الليالي ومُنجدا

سلوا الكرمةَ الفَيْحاء كم فاح طِيبُها

وكم شهدَتْ من جَلْوةِ الأنس مَشْهدا

فلم تَكُ إلا للسماحةِ مَهْبِطًا

ولم تَكُ إلا للفصاحةِ مقْصِدا

أرى «النيلَ» لولا عهدُه ووفاؤُه

لغاضَ ولم ينقَعْ لذي ظمأٍ صَدَى

تآخيتُما في حبِّ مصرَ فكنتُما

بها منهلاً يروي الظِّماء ومَرْفَدا

فأحمَدَ منك النيلُ إعلاءَ ذكْرِه

وأحمَدْتَ منه فيضَه المتجدِّدا

فقمْ واستمعْ صيحاتِ قومِك إذ سرَى

نَعيُّك فيهم فاستطارَ وسَهَّدا

وجلَّلَتِ الوادي لفَقْدكَ ظُلْمةٌ

فقد كنتَ فيه نجمَهُ المتوقِّدا

تنادَوْا أحقّاً زايَلَ الغِيلَ ليْثُه

وأصبح بطنُ الأرض للَّيثِ مرْقدا؟

تمشَّى الأسى فيهم كُهولاً وفِتيةً

وصاحَبَهم هَمٌّ أقام وأقعدا

بكَوْا علَمًا لم يعهدِ الدهرُ مثلَه

أخا كرمٍ بالحُسْنَيات تفرَّدا

أعاد إلى أُمِّ اللغاتِ رُواءَها

وشقَّ لعافِيها الطريقَ ومَهَّدا

علا صوتُه في الشرقِ والغرب مُحْسنًا

وجاوَزَ آفاقَ الكواكبِ مُصْعِدًا

وصاح نذيرٌ ودَّعَ الشعرُ مِصْرَه

وأتْهمَ في غَوْرِ الفيافي وأنْجَدا

فيا ضيعةَ الأشعار بعد أميرِها

غدا مُلْكُها في الناس نَهْبًا مُبدَّدا!

ولكنَّ صَرْحًا كنتَ بانيَ رُكنِه

يُروِّعنا ألا يبيتَ مُجدَّدا

ومُلكَ بيانٍ كنتَ حارسَ مجدِه

يعزُّ على العلياء ألا يُوَطَّدا

فنَمْ آمنًا، هذا تُراثُكُ خالدًا

على الدهر يهدينا السبيلَ إلى الهُدى

وهذا لواءُ الشعرِ ما انفكَّ عاليًا

عزيزًا كما ترضَى، وإنّا له الفِدَى