أضنَى الفؤادَ تباعدُ الأحبابِ
فغدا أسيرَ تأوُّهِ الأوصابِ
وأقامَ ليلُ الشوقِ بينَ جوانحي
حَرَسًا على سرٍّ من الأتعابِ
أبكي الديارَ إذا مررتُ بربعِها
بكاءَ مشتاقٍ عفيفِ متابِ
يا موطنًا سكنتْ به أحلامُنا
وترعرعتْ فيهِ رؤى الآدابِ
هطلتْ عليهِ مزونُ غيثٍ وابلٍ
فاهتزَّ بينَ خمائلٍ وروابي
وأنا المقيمُ على الحنينِ كأنّني
غصنٌ تقاذفَهُ هبوبُ عبابِ
سَرَى خَيالُ الوُدِّ فِي جُنْحِ الدُّجَى
فَأَعَادَ نَبْضَ الفِكْرِ وَالأَعْصَابِ
فَسَرَى إِلَيَّ كَأَنَّهُ بَدْرُ الدُّجَى
يَمْحُو ظَلَامَ الوَحْشَةِ المُنْسَابِ
كَمْ مِنْ دُمُوعٍ حَاوَلْتُ كِتْمَانَهَا
فَغَدَتْ تُذِيعُ سَرَائِرَ الأَلْبَابِ
إنَّ العيونَ إذا امتلأنَ صبابةً
نطقتْ بغيرِ تكلُّفٍ وخطابِ
فأثارَ ذكرى الراحلينَ وأوقدتْ
نارُ الأسى في مهجةِ المتصابِ
وأتى النسيمُ عليَّ يحملُ نفحةً
من عهدِ وصلٍ ناضرِ الأهدابِ
فسمعتُ أصواتَ الليالي كلَّها
تتلو حديثَ مودَّةٍ وعتابِ
ظعنوا فخلَّفَ بعدَهم في أضلعي
جرحًا يفيضُ بحرقةٍ وصبابِ
لكنَّني أرضى بما حكمَ القضا
وأردُّ أمري للقادر الوهَّابِ
فالدهرُ دولابٌ يدورُ بأهلِهِ
بينَ المسرَّةِ مرَّةً وعذابِ
ولقد عرفتُ بأنَّ خيرَ فضيلةٍ
صبرُ الكريمِ على أذى النُّوَّابِ
فإذا تذكَّرتُ الأحبَّةَ خاشعًا
أبصرتُ وجهَ الوفا وراءَ حجابِ
وبقيتُ أزرعُ في القصيدِ مشاعري
فتفيضُ درًّا رائعَ الإسكابِ
شعرًا إذا ازدحمَ البيانُ بمعرضٍ
كانتْ لهُ العليا بغيرِ مِرابِ
يجري على نهجِ الفصاحةِ عذبُهُ
جريَ الغديرِ بروضِهِ السكَّابِ