يا نخل صيداء لي هيّجت أحزانا
ذكّرت من وطني أهلاً وجيرانا
ما لاح طلعك لي إلا وذكرني
ربيع ريفي بطلع النخل مزدانا
هل الربيع معيد عند رجعته
ربيع عمري وعمر الصحب ريانا
وما أرى الطلع إلا روحي اختنقت
بعبرة لا تريد الدمع عنوانا
هيهات يفصح دمع عن كآبتها
وعن فؤاد بدنيا الحزن ملآنا
وليس شعري إلا البعض من حمم
تنبيك أن بهذا القلب بركانا
كم ذكرتني بساتين النخل هنا
من نخل ريفي جنات وبستانا
وكم دعتني وأغرتني لأدخلها
حتى ألاقي بها أهلاً وخلانا
يا نخل صيداء قد أشعلت نيرانا
بقلب ناءٍ بعيد الدار ولهانا
ذكرتني نخل ريف قد نشأت به
هل ذلك النخل باق مثلما كانا
كم رقدة لي بظل النخل ناعمة
من نصف قرن تراها مقلتي الآنا
تلك النسيمات في خدي تداعبني
وتعزف الريح بالأغصان ألحانا
يظل فيها خيالي سارحاً مرحاً
فأغمض العين بالألحان نشوانا
ولست أنهض إلا حين يلدغني
حرّ الظهيرة أعدو منه سرعانا
هذا شعوري دون العشر من عمري
هذا هو الشعر لا ما أنظم الآنا
تلك الملاعب هل يوماً أعود لها
أرى بها من لِدات العلم إخوانا
نصطاد أطفال أسماك تشابهنا
معكرّين لذاك الصيد غدرانا
نشكهن بأعواد لنشويها
مؤججين من الأغصان نيرانا
مُلَهْوجين لها عجلى لنأكلها
مخلوطة برماد الأرض أحيانا
أخشى إذا عدت لا ألقى لهم أثراً
إذ أصبحوا تحت هذي الأرض سكانا
وإن يكن أحد باق سينكرني
فالدهر غيّر أشكالاً وألوانا
فلتبق ذكراهمو في القلب عائشة
تبدي لديّ شيوخ الصحب ولدانا
فما الحياة سوى وهم نعيش به
يحكي الحقيقة تزويراً وبهتانا