تخطَّ إلى المحتوى

لذكراك يدمى القلب والنفس تجزع

غير معروف

٤٠ بيت

المتفرقات

لذكراكَ يَدمَى القلبُ والنفس تجزعُ

وينتابها صرفُ الزمان فتُصْرَعُ

ويطغى عليها فادح الدهر بغتةً

فتَذْهل عن قولٍ وينهلُّ مدمع

ويخبو الأسى حينًا ويُضْرَم تارةً

بأفق الضلوع الموجعات ويَلْذَع

كأنَّ صُروفَ الدَّهْرِ مديةُ جازرٍ

تحزّ بأوداج الكرام وتقطع

تسعِّر أكبادًا بنار خطوبها

وكم كائنٍ منها يئنُّ ويفزع!

صحبتُ زمانا أترعَ الكأس عَلْقَمًا

أبيت أعبُّ المرَّ منها وأجرَع

ويحزنني رَيْبُ المنون وإنه

ليجعلني أبكي الذي أتوقّع

تحدثني نفسي تقولُ بلهفةٍ

سيمضي قريبًا سيِّدٌ ويودَّع

نعى الدهرُ إبراهيمَ للناس فجأةً

فأعول شبانٌ وشِيبٌ ورُضَّع

لك اللهُ إبراهيم حيّاً وميّتًا

حياتك للآداب عَيْنٌ ومسمع

تسابَقَ في الذكرى خطيبٌ وشاعرٌ

وجال بميدان البيان السمَيْدَع

رثاك جميعُ النابهين فأحسنوا

وما الفضلُ إلا منك يُجْنَى ويُجْمَع

لما لك من فضلٍ ونُبْلٍ وسؤدُدٍ

تجسّمتِ الحسنى فقالوا وأبدعوا

تقول فيروي الدهرُ عنْكَ قصائدًا

لآياتها الأيام تعنُو وتخضع

تهزُّ معانيها القلوب بلطفها

فتتركها وَلْهَى تنوح وتسجع

ويبهرك المعنى الطريفُ فتنتشي

وترقص إعجابًا ولا تَتَورَّع

فمعنى الحميّا من مطالع شعره

فثمَّل منها عبقريٌّ وأروع

ترقُّ معاني اللفظ لطفًا كأنَّها

نسيمٌ به الأرواح تلهو وترفع

فتشدو بها وُرْقُ الحمائم غدوةً

ويبكي ضحى منها الفتى المتوجِّع

وذات حجابٍ أسفرتْ لسماعها

وأَنَّى لمسحور البديع تمنُّع

ولو أسمعَ الأحجارَ سحرَ بيانه

لشُقِّقتِ الأحجارُ والماء ينبع

عجبت لدارٍ صُغْتُ فيها مدائحًا

لنعيك إبراهيمُ لا تتصدع

أبا زكريا لا تَلُمْها فحسبُها

بناها بمسوَدّ الأسى متبرقع

يناظر والآدابُ وشيُ نقاشه

فيفحم بالبرهان خصمًا ويُقْنِع

ويدلي بميدان الجدال بحجّةٍ

تُبَدِّدُ سحبَ الشكِّ حالاً وتَقشع

ترى غامض المعنى العويص مجسَّمًا

كما تبصر الشمس المضيئة تسطع

وشيَّدتَ للآداب صرحًا ممرَّدًا

كما شاد رمسيسٌ وخوفو وخَفْرَع

من الصخر شاد الأقدمون بِناءَهُمْ

وأنت بدرِّ اللفظ تبني وترفع

أشادوا فلا جدوى أراها لما بَنَوا

وشدتَ منارَ الظلم والنظمُ أنفع

تربَّى بأحضان النعيم مُكرَّمًا

يضيء بأفق المكرمات ويلمع

وهمَّتُه فوْقَ الثريَّا مكانةً

إلى غير هام النجم لا تتطلَّع

حَيِيْتَ حياةَ المترفين ودونها

حياةُ شقاءٍ بؤسُها متقنّع

ألم تر كيف الداءُ ينحر صدرَه

وكل علاجٍ ذاهبٌ ومضيَّع؟

يثور عَصِيُّ السقم بين جوانحٍ

فيُرْعِشُ آفاقَ الضلوع ويخلع

نعم كل حيٍّ سوف يلقى حِمامَهُ

فما الموت يستثني ولا القبرُ يَشْبَع

وإلا فأين الناسُ من عهد آدمٍ

وأين أبو بكرٍ ونوحٌ ويوشع؟

تساوى لدى عزريلَ شِيبٌ وفِتْيَةٌ

وبَرٌّ وبحرٌ والخصيبُ وبَلْقَع

وذلَّت له الدنيا قديمًا بأسرها

قُراها ستفنى والمدائنُ أجمع

نعم كلُّ حَيٍّ لا محالةَ ميِّتٌ

ولا بدَّ للأجداث يومًا يشيَّع

رضينا قضاءَ الله فيك وحكمه

فنم هانئًا فالخلد مثْوًى ومَضْجَع