تخطَّ إلى المحتوى

شعر التفعيلة

١٠٢ بيت

النسيب

أوصيكم بي…

إن مررتم على اسمي

أن تتركوه معلقًا بين ريحين،

ريحٍ تعرفني

وأخرى تنكر وجهي كالغريب.

فأنا الرجل الذي أودع قلبه في الغيب،

وخبّأ نبضه في جرّةٍ من صمت،

وأكل من خبز الظلال

حتى صار جسده خفيفًا كأثر.

قالت لي: أحبك.

وكان في صوتها ارتجاف المرايا،

وكان في عينيها بابٌ إلى كذبةٍ واسعة.

كذبت…

ولم تكن تعلم

أنني أرى ما وراء القول،

وأسمع ارتطام النوايا في العتمة،

وأقرأ الخيانة

كما يقرأ الكاهن خطوط الدخان.

أنا لستُ رجلاً من لحمٍ وحسب،

أنا ظلٌّ تعلّم كيف يمشي بلا جسد،

وروحٌ إذا جرحتَها

نزفت رؤىً لا دمًا.

يا من كسرتِني…

كنتُ أراكِ في المرايا القديمة

تتبدلين كالأقنعة،

مرةً زهرة،

ومرةً نارًا،

ومرةً هاويةً تفتح فمها لخطاي.

وكنتُ أبتسم،

لأن الروحاني لا يهاب السقوط،

بل يتخذه سلّمًا نحو بصيرته.

أوصيكم إذا متُّ

أن لا تبحثوا عن قاتلي،

فإن الخنجر كان كلمة،

والدم كان يقينًا

ينساب من شقوق القلب.

ولا تسألوني كيف مت..

وانا معلق بمسمار الانتظار..

او كيف كانت تطعمني

دقائقها سما ..

وانا في لحظة احتضار ..

ولا تلوموا المرأة،

فالخيانة قدرٌ يتخفّى في هيئة حب،

والحب وهمٌ

يتنكّر في هيئة خلاص.

جلستُ يومًا عند عتبة الغيب،

حيث الريح تعلّم الأشجار أسماءها،

وحيث الصمت شيخٌ

له لحية من أسرار.

وهناك…

جاءني الحكيم بابا ياغا،

يحمل في يده حكمةً سوداء

كليلةٍ بلا قمر.

قال...

من عرف الروح،

لم تقتله الخيانة،

بل صاغته نارًا أخرى.

ومن رأى الحقيقة،

لم يحزن للكذب،

بل شكر الظلّ لأنه كشف الضوء.

فانحنيتُ،

وشربتُ من حكمته كأسًا مرّة،

وأدركتُ أن الجرح

بابٌ إلى اتساعٍ لا يُرى.

يا وصيّتي الأخيرة…

إن عاد اسمي إليكم حزينًا

فاغسلوه بدمعة،

ثم اتركوه في التراب.

فالتراب يعرفني،

كنتُ فيه قبل أن أولد،

وسأعود إليه

حين تنتهي حكاية الجسد.

وأما هي…

فدعوا قلبها وشأنه،

سيوقظها الصدى ذات ليل،

وسترى وجهي في الماء

يرتجف كندم.

ستعلم يومًا

أن الرجل الذي كذبت عليه

لم يكن عاشقًا فقط،

بل كان مرآةً لروحها،

وكان سرًّا يمشي على قدمين.

أوصيكم…

إن سمعتم ضحكي في المقابر

فلا تفزعوا،

فأنا لم أمت،

أنا فقط تبدّلتُ

من وجعٍ إلى حكمة،

ومن قلبٍ إلى طريق.

وهذه وصيتي

لا تثقوا بالحبّ إن لم يمرّ عبر النار،

ولا تصدّقوا الكلمات إن لم يباركها الصمت،

ولا تخافوا الخيانة…

فهي المعلّم الخفي

الذي يقود الروح إلى يقينها.

ثم أطفئوا شموعي،

واتركوا الباب مواربًا للغيب،

فلعلّي أعود يومًا

ريحًا،

أو همسًا،

أو وصيّةً أخرى

تولد من جنون الحقيقة