أُعَاتِبُكَ..
لَا لِأَنَّكَ رَحَلْتَ…
بَلْ لِأَنَّكَ رَتَّبْتَ غِيَابِي بِدِقَّةٍ،
وَوَضَعْتَ اسْمِي عَلَى رَفٍّ عَالٍ
لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الذَّاكِرَةُ
إِلَّا إِذَا كَسَرَتْ سُلَّمَهَا...
أُعَاتِبُكَ..
لِأَنَّكَ حِينَ وَعَدْتَ بِالبَقَاءِ
عَلَّقْتَ صَوْتَكَ فِي الهَوَاءِ
وَتَرَكْتَنِي أُكْمِلُ الحَدِيثَ
مَعَ ظِلِّي..
كُنْتُ أَرَاكَ
حِينَ لَا أَرَاكَ،
وَأَسْمَعُكَ
فِي الصَّمْتِ الَّذِي تَرَكْتَهُ لِي
كَإِرْثٍ ثَقِيلٍ..
كُنْتُ أَعُدُّ أَيَّامَكَ
كَمَا تَعُدُّ امْرَأَةٌ
حَبَّاتِ المَطَرِ
وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ العَاصِفَةَ
لَنْ تَعُودَ..
عَلَى رَفِّ النِّسْيَانِ
وَضَعْتَ قَلْبِي
مُغَلَّفًا بِوَرَقٍ هَشٍّ،
وَكَتَبْتَ عَلَيْهِ:
«يُفْتَحُ عِنْدَ الحَاجَةِ»
وَنَسِيتَ أَنَّ الحَاجَةَ
كَانَتْ أَنَا...
كُلُّ شَيْءٍ هُنَا
يُتْقِنُ التَّمْثِيلَ..
السَّاعَةُ تَدَّعِي الحَرَكَةَ
وَهِيَ وَاقِفَةٌ،
وَالجِدَارُ يَتَظَاهَرُ بِالصَّبْرِ
وَهِيَ يَتَشَقَّقُ،
وَأَنَا…
أَتَظَاهَرُ بِالقُوَّةِ
وَأَرْتَجِفُ مِنْ فِكْرَةِ
أَنَّكَ بِخَيْرٍ بِدُونِي...
أُعَاتِبُكَ
لِأَنَّكَ عَلَّمْتَنِي الِانْتِظَارَ
ثُمَّ غَادَرْتَ
دُونَ أَنْ تُخْبِرَ الوَقْتَ
أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ إِيذَائِي...
جُنُونِي
لَيْسَ صُرَاخًا،
جُنُونِي
هَذَا الهُدُوءُ الفَاجِعُ
الَّذِي يَجْعَلُنِي أَبْتَسِمُ
حِينَ يَنْهَارُ دَاخِلِي شَيْءٌ آخَرُ..
أَتَعْلَمُ..
النِّسْيَانُ لَيْسَ رَفًّا فَقَطْ،
إِنَّهُ غُرْفَةٌ بِلَا نَوَافِذَ،
وَأَنْتَ أَغْلَقْتَ البَابَ
وَتَرَكْتَ الضَّوْءَ فِي الخَارِجِ
يُنَادِينِي بِاسْمِي..
كُلَّمَا حَاوَلْتُ إِنْزَالَكَ
مِنْ ذَلِكَ الرَّفِّ
تَكَسَّرَتْ يَدَايَ،
لَيْسَ لِأَنَّكَ ثَقِيلٌ،
بَلْ لِأَنَّ الغِيَابَ
أَثْقَلُ مِنَ الذَّاكِرَةِ..
أُعَاتِبُكَ
لِأَنَّكَ حِينَ نَسِيتَنِي
لَمْ تَنْسَ كَيْفَ تُوجِعُنِي،
تَرَكْتَ لِي عِطْرًا بِلَا جَسَدٍ،
وَصَوْتًا بِلَا فَمٍ،
وَحُبًّا
بِلَا اعْتِرَافٍ...
وَفِي آخِرِ الرَّفِّ
تَجْلِسُ رُوحِي
تَضْحَكُ بِجُنُونٍ،
تَقُولُ لِي:
لَا بَأْسَ…
بَعْضُ العِتَابِ
لَا يُقَالُ لِيُسْمَعَ،
بَلْ لِيَبْقَى
حَيًّا
حِينَ نَمُوتُ نَحْنُ..