تخطَّ إلى المحتوى

تركتني ها هنا بين العذاب

الرمل

٣٢ بيت

الرثاء

تركتني ها هنا بين العذاب

و مضت يا طول حزني و اكتئابي

تركتني للشقا وحدي هنا

و استراحت وحدها بين التراب

حيث لا جور و لا بغي و لا

ذرّة تنبي و تنبي بالخراب

حيث لا سيف و لا قنبلة

حيث لا حرب و لا لمع حراب

حيث لا قيد و لا سوط و لا

ظالم يطغى و مظلوم يحابي

خلّفتني أذكر الصفو كما

يذكر الشيخ خيالات الشباب

و نأت عنّي و شوقي حولها

ينشد الماضي و بي أوّاه ما بي

و دعاها حاصد العمر إلى

حيث أدعوها فتعيا عن جوابي

حيث أدعوها فلا يسمعني

غير صمت القبر و القفر اليباب

موتها كان مصابي كلّه

و حياتي بعدها فوق مصابي

أين منّي ظلّها الحاني و قد

ذهبت عنّي إلى غير إياب

سحبت أيّامها الجرحى على

لفحة البيد و أشواك الهضاب

ومضت في طرق العمر فمن

مسلك صعب إلى دنيا صعاب

وانتهت حيث انتهى الشوط بها

فاطمأنّت تحت أستار الغياب

آه " يا أمّي " و أشواك الأسى

تلهب الأوجاع في قلبي المذاب

فيك ودّعت شبابي و الصبا

وانطوت خلفي حلاوات التصابي

كيف أنساك و ذكراك على

سفر أيّامي كتاب في كتاب

إنّ ذكراك ورائي و على

وجهتي حيث مجيئي و ذهابي

كم تذكّرت يديك وهما

في يدي أو في طعامي و شرابي

كان يضنيك نحولي و إذا

مسّني البرد فزنداك ثيابي

و إذا أبكاني الجوع و لم

تملكي شيئا سوى الوعد الكذّاب

هدهدت كفاك رأسي مثلما

هدهد الفجر رياحين الرّوابي

كم هدتني يدم السمرا إلى

حقلنا في الغول في قاع الرحاب

و إلى الوادي إلى الظلّ إلى

حيث يلقي الروض أنفاس الملاب

و سواقي النهر تلقي لحنها

ذائبا كاللطف في حلو العتاب

كم تمنّينا و كم دلّلتني

تحت صمت اللّيل و الشهب الخوابي

كم بكت عيناك لمّا رأتا

بصري يطفا و يطوي في الحجاب

و تذكّرت مصيري و الجوى

بين جنبيك جراح في التهاب

ها أنا يا أمّي اليوم فتى

طائر الصيت بعيد الشهاب

أملأ التاريخ لحنا وصدى

و تغني في ربا الخلد ربابي

فاسمعي يا أمّ صوتي وارقصي

من وراء القبر كالحورا الكعاب

ها أنا يا أمّ أرثيك و في

شجو هذا الشعر شجوي و انتحابي