أُحدِّقُ في المدى…
فأرى البلادَ فكرةً
لا خارطةً تُعلَّقُ فوق جدران المسافات،
ولا اسماً ينامُ على جوازِ سفرٍ قديم.
الوطنُ—في ظنّي—
ليس الترابَ وحده،
بل ذلك الصوتُ الخفيُّ
الذي يجعلُ القلبَ يلتفتُ كلما مرّت
ريحٌ تشبهُ طفولتَه.
أحنُّ إليه
كما يحنُّ النهرُ
إلى أوّلِ حجرٍ علَّمه الانكسار،
وكما تشتاقُ النجومُ
إلى ظلامٍ يمنحها معنى الظهور.
كم مرّةٍ
حاولتُ أن أفسِّرَ الغيابَ بالعقل،
فخانني العقلُ
وانتصرَ الحنين.
أدركتُ متأخراً
أن الإنسانَ لا يسكنُ المدن،
بل يسكنُه ما أحبّ.
وأن المنافي
ليست بُعدَ الأمكنة،
بل اتساعَ الفراغِ
بين القلبِ وما يريد.
يا وطني…
أيُّ سرٍّ وضعه اللهُ فيك
حتى نصيرَ أكثرَ هشاشةً
كلما ابتعدنا؟
أأنتَ الأرضُ؟
أم وجوهُ الذين رحلوا؟
أم رائحةُ الخبزِ عند الفجر؟
أم ظلُّ أمٍّ
كانت تفتحُ البابَ
كأنها تفتحُ للعالمِ كلَّه نافذةَ أمان؟
أفكّرُ كثيراً:
لِمَ يعودُ الطيرُ
إلى العشِّ ذاته
رغم اتساعِ السماء؟
ربما لأن الحريةَ وحدها
لا تكفي…
وأن الكائنَ مهما حلق
يحتاجُ شيئاً يشبهُ الجذر.
أنا المسافرُ
بين أسئلةِ الروح،
أحملُ أوطاني الصغيرة
في جيوبِ الذكرى،
وأخافُ أن أكبرَ يوماً
فلا أجدُ الطريقَ
إلى النسخةِ الأولى من قلبي.
سيبقى الوطنُ
ذلك الحلمَ الذي كلما ابتعدنا عنه
اقترب منّا أكثر،
وتبقى الرؤيا…
أن نجدَ في آخرِ العمر
مكاناً
إذا نطقنا اسمَه
ابتسمت أرواحُنا قبل شفاهِنا.