تخطَّ إلى المحتوى

غير معروف

٢٢٥ بيت

المتفرقات

زَينُ الشَبابْ

مازالَ عندَ التاسِعةْ

اليومَ غابْ

شَرِبتْ سَناهُ الفاجعةْ

اليومَ غابْ

بينَ المدامعِ والمدَى

تحتَ الترائبِ والترابْ

هَلْ تسمَعونَ نشيجَهُ:

أمّي،

أَبي

ويَمُدُّ لي عَينيهِ كفّاً راعِشًا

كَي أحْرزَهْ

أكلَتْ يَديه المجزَرةْ

وأنا الصُراخُ

على ضِفافِ المقبَرةْ

ما أعجزَهْ.

يا حُلْميَ المخبوءَ موتًا

في قناديلِ الغيابْ

أصدى أبوكَ

وصَدرُه الخالي سِوى مِنْ مِرجلٍ

مازالَ ينتظرُ الذهابْ

اليومَ غابْ

مَنْ يَملأُ البيتَ الصّغيرَ ملاعبًا؟

مَنْ يُزعجُ الإخوانا؟

مَنْ ذا يَطوفُ بأمّهِ

كفَراشةٍ جَوعانا؟

مَنْ بالطَباشيرِ التي جَمّعتها

سَيُخربشُ الحيطانا؟

لمنِ العَصافيرُ التي سابقتَها

ستُوقّعُ الألحانا؟

لمنِ الأزاهيرُ التي راقصْتها

سَتُطرّزُ الألوانا؟

لمنِ الدّفاترُ باقيةْ؟

لمنِ العَرائسُ والدّمَى

وقُصورُ رَملِ السّاقيةْ؟

بِالأمسِ أسكنَها أمانيَه العِذابْ

مَنْ ذا بضِحكتهِ سيَمحُو

مِنْ أغانينا العذابْ؟

قمْ يا صَغيري وانتظرني

في السّماءِ السابِعةْ

أترابُكَ الصّرعَى حداةُ القارعةْ

هاني الصّبيُّ الأسمَرُ

عَنْ موتِنا السّادي سيُخبرُ رَبّه

وسعادُ سَوسنةُ الركامِ

"تُصوّرُ"؟

"عمّاهُ غيرُ مُحجّبةْ"

قد كانَ يحرسُها الجدارْ

ورَشا الفراشةُ إذْ بكَتْ مُتعَجّبةْ

"مازلتُ عائشةً"

ومازالَ الدمارْ

يغتالُ زعترَها ودفترَها

ورائحةَ النهارْ.

اليومَ يمحو غفلةَ الطينِ الردى

كُشِفَ الغطاءُ

أبوكَ ليسَ غَضنفرًا

وتخافه في العُتمةِ الأشباحُ

سَلْ أمّكَ الثكْلى

إذا الزوّارُ في الفجرِ استباحُوا

كُوخَها

مَنْ ذا يبولُ بثوبهِ البالي

ويَسترُ عارَه بِقشيبهِ الإصْباحُ

أنا لستُ ذاكَ الفارسَ الغازي

ولا بطلَ الزمانْ

كُلُّ الكبارِ أرانبٌ مثلي

إذا لمعَ السِّنانْ

أنا مَنْ رأى إخوانَه الأحرارَ قَتلى

تَستَحِمُّ مُدَرّعاتُ الجيشِ في دمِهمْ

وما انفطرَ الجَنانْ

مِنْ شُرْفَتي

أشعَلتُ غيرَ مُكدّرٍ سِيجارتي

ورَشفتُ فَضْلةَ قَهوتي

وضَحِكتُ للجُنْديِّ مُقتحمًا

يُفجّرُ فُرنَ حارتنا

ويَبقرُ بَطنَ جارتنا

حَكيتُ لهُ:

غُلاةٌ، مُجرمُونْ

يَستأهِلونْ

وظننتُ أني حاذِقٌ أبقيكَ يا ولدي

أدُعُّ يدَ الردى بيدي

وقِدمًا قالَها عَنْ خِنجَرٍ جَدّي:

"وهَلْ يُبقي إذا ظَفِرَ الجبانْ"

أنا مَنْ وَشى بالصَّاحبِ المكلومِ

فاقتلَعتهُ مِنْ دمهِ الجنودْ

وضَحِكتُ حينَ رأيتُه يحبُو

خلاخِلُه القيودْ

وبكيتُ عندَ صِغارِه الجوعَى

وألهبتُ الخدودْ

في المخْفرِ السّريِّ ضاعَ الحبُّ

وابتلعَتهُ ماحِيةُ الوجُودْ.

أنا مَنْ تَضوّرَ جائعينَ فِراخُه

كَي تَشْبعَ القِططُ السِّمانْ

وطبَخْتُ مِنْ مَرقِ البيانْ

أكذُوبةً وَطنيةً

أخبرتُهمْ

أنّ الرفاقَ يُحارِبونْ

وعَن الحدُودِ يُدافعونْ

يَستَبسِلونْ

يَستَشهِدونْ

لِنعيشَ كَالأطيارِ في وَطنِ السَّلامْ

أنا مَنْ يُصلّي كَي يُعفّشَ عَسكرُ السُلطانِ

أعشاشَ الأيامَى واليتامَى والحمامْ

أنا مَنْ يقبّلُ جَزمةَ الشُرطيِّ

وهْوَ يَبولُ في صَحْنِ الطّعامْ.

وأنا الذي أدمَى يَديهِ مُصَفّقًا

لِلقائدِ الغازي الهمامْ

في الإعلامِ، في خطبِ الإمامْ

أنا مَنْ ذَبحتُكَ يا صَغيري

واتّهمتُ بها أميري

يَومَ سَلَّ جُنونَه المسعورَ

وامتَشقَ الحسامْ

أنا مَنْ نذرْتُ لَه

عَنِ الغَضبِ الصّيامْ

أنا ذلكَ العَبدُ الذي

باعَ العقيدةَ والقصِيدةَ للحِرابْ

أعرَفتَ قاتلَكَ الصَغيرَ؟

هُناكَ في جُبّ العَويلِ هَوَى

مَحا عَينيهِ ثُمّ ثَوى

بلا أسماءَ

يقتاتُ الخرابْ.

قلْ يا صَغيري

أيها المخبوءُ في غضبِ المدادْ

ماذا سَيكتبُ شاعرٌ؟

قرطاسُهُ ريحٌ وأحرفهُ رمادْ

عَنْ حَقلِه المذبوحِ في شِعْبِ الحِصارْ

ماذا يخطُّ عَنِ الزهورِ،

تَفضُّ عفّتها الثَعالبْ

وعَن الطّيورِ تجرّحَتْ أكتافُها

بالأمنياتِ وبالحقائِبْ

شرِبَتْ أغانيَها البِحارْ

مِنْ بعدِ ما أكلَتْ

أصابِعَها مَجادِيفُ المراكِبْ

عَطشى تَفيضُ إلى بلادِ الكُفرِ

هاتيكَ المواكبْ

وَطني الكبيرُ المسلمُ العَربيُّ شاءْ

كلُّ القبائلِ أغلقَتْ أبوابَها في وَجهِنا،

لا الأسْودُ العنسيُّ يقبلُنا

ولا ماءُ السّماءْ

كلُّ الدروبِ تعطّلتْ

"الخيلُ والبيداءُ"

قَتلى في زنازينِ العسَسْ

و"الجحفلُ الجرّارُ"

لل "كرسي" حرسْ.

وهناكَ في تلكَ القصورِ الصفرِ

تغرقُ قاصراتُ الطرفِ

في بُركِ الجواهرْ

ومِنَ الكَرامةِ أنْ تَرى

في البحرِ تَغرقُ طاهِراتٍ كالضياءِ

نِساءُ سُوريّا الحرائرْ.

زَرعُوا بباريسَ النجومَ

وفي "نيوجِرْسي" الأزاهِرْ

لكنَّ حينَ تذكّرُوا

أنّي أمزّقُ مِثلَ عُصفورٍ يَتيمٍ

أنشبَتْ في صَدرهِ الدّامي

مخالبَها الكَواسرْ

زَرعوا بأحداقي السيوفَ

وفي أناشيدي المقابِرْ.

في دولةِ الأمواتِ والغُربانِ

لا صوتَ نُولدُ فيهِ

إلا جَوقةَ السّلطانِ

لا شيءَ في تلكَ المضاربِ سالكٌ

وعرٌ هوَ المرقى إلى الإنسانِ

لا نارَ تنضِجُ خُبزَنا العرَبيَّ

إلا كَربلاءْ

قَتلوكَ يا وَلدي جَميعًا

ثُمّ غَصّوا في البكاءْ

عَرّافةُ السفّاحِ أفتَى:

اقتلوا هذا الصَبيْ

عَيناهُ في مَسريهما

عَينا نبيْ

لو قامَ مشْبوبَ القَميصِ

لسَلّ مِعولَه القَطيعْ

ولهدّ بَاسِقةَ اللَيالي

لنْ يَمرَّ إلى الإمارةِ يُوسُفٌ

هَذا الربيعْ

البئرُ مَشنقةُ المنَى

وهُناكَ يَشقى أوْ هُنا

لا سبْعَ في قَدري عِجافٌ

لا غَدٌ إلا أنا

أعَرفْتَ قاتلَكَ الكبيرَ؟

هُناكَ في تلكَ القُصورِ العالياتِ

تَألّهَ الحجّاجُ

ما أكذبَ التارِيخَ حينَ يخُطّهُ

بالمشرِفيّ التاجُ

مَنْ قالَ:

إنّا أمّةٌ عَربيّةُ الدّمِ والكِتابْ

هَذي خيولُ الفُرْسِ تَعلِفها تَميمٌ

والسَّبايا جِلّقُ

وكَنائنُ الرّوميّ تَملؤُها قُريشٌ

والضَّحايا جِلّقُ

وَهَبوا الثَعالبَ والعَناكبَ ثغرَها

وبكَوا عَليها في الخِطابْ.

مُتْ يا صَغيري

أيّها المصلوبُ مثلَ قَصيدةٍ عَمياءَ

يَذبحُها البكاءُ مِنَ الرويِّ إلى الوَريدْ

يا أيّها المشنوقُ مثلَ حكايةٍ شَرقيةٍ

تَغتالُنا في كُلِّ عِيدْ

هَل تذكرُ؟

عِرْزالَنا المعمُورَ مِنْ حُبّ وطِينْ

وَطنًا غَدا

لأولئِكَ السمْرِ الذِينْ

سَالوا إلينا هارِبينْ

مِنْ كَربلاءَ، مِنَ الجنوبِ، ومِنْ فَلسطينْ

هَلْ تذكرُ؟

كيفَ اقتسَمنا حَبةَ الزيتونِ

والثوبَ الصّغيرْ

وعرائسَ الأطفالِ

دُمْيتَكَ الأميرةَ والأميرْ

هَلْ تذكرُ؟

أجسادَنا العجفاءَ كيفَ تقرّحَتْ

وَسنَى على ذاكَ الحصيرْ

كيْ يَهنأ الأضيافُ في دفءِ السّريرْ

هَلْ تذكرُ؟

لم تَرتفعْ لِلذلّ في صَحرا بِلادي خَيمةٌ

يَعْوي عَليها ألفُ سَجّانٍ حَقيرْ

لم يَفترِشْ رملَ الثَرى

أو يَلتحِفْ بالريْحِ والخوفِ المساكينْ

واليومَ عادوا مثلَ ذُؤبانِ الدّجَى

لا بِالهدايا والزهُورِ وإنّما

جاؤوا إلينا بالسَكاكينْ

يا جُثةَ الإنسانِ فينا والضَميرْ

قَرُبَ الحِسابْ

فاحملْ دمَ الأحرارِ واتبعني

إلى الفَجْرِ الكَبيرْ

وَثَبَ الشبابْ

وَثَبَ الشبابْ.