رعى الله أعلام الحصافة والخُبْرِ
وصان رجال الحزم مَن عُصَب الغدْرِ
وحيَّا مغاوير الحروب تحيّةً
تُردِّدها يومَ الوغى أُسُد الخِدر
همُ عدة الأوطان يحمون عزها
ببأسٍ على حدّ الظُّبا أبدًا يجري
ولا نالت الجُلَّى الكهولَ فإنهم
ليجنون زهر الرشد من فَنَن الخُبْر
لهم عزمةُ الفتيان لكنَّ قلبَهم
بصيرٌ بأخلاق الورى عاركُ الدهر
فلا تستفزُّ المطربات قلوبهم
وليسوا أوان اللهو كالخَوْد في الخدر
فهم بين حَدَّي حَدّةٍ ورزانةٍ
فما همُ أطوادٌ ولا ثملو خمر
إذا رُزق الكهل البنين غَذَاهم
بآدابه الحسنى وأخلاقه الغرّ
يلقِّنهم في المهد حبَّ بلادهم
ويجعلهم من معشر السوء في حِجْر
ويحجب عن أسماعهم كل لفظةٍ
تُؤَدي بهم يومًا إلى هوَّة الوِزْر
ويُبعد عن أبصارهم كل مشهدٍ
يثبّتُ في الأذهان جرثومة الشرّ
فلا تسمعُ الآذان إلا نصائحًا
ولا تقعُ الأنظار إلا على الطهر
إذا اعوجَّ خُلْقٌ فيهمُ هبَّ مسرعًا
يثقِّفه غضّاً فينجو من الكسر
وإنْ علَّةٌ شنَّتْ عليهمُ غارةً
يعالجها حتى تُقَدَّ من الجذر
فليس يغضُّ الطرف عنهمُ لحظةً
مخافةَ أن تصطادهم عصبةُ المكر
إذا بدرتْ منهم بوادر حدّةٍ
يُؤدّبهم باللحظ لا الضرب والهجر
فلحظتُه أمضى من السيف عندهم
وهيبته تُغْني عن العنف والزجر
وإن فعلوا صنعًا جميلاً جزاهمُ
جزاءً يحلّي عندهم عملَ البِرّ
تمرُّ الليالي بين نثر نصائحٍ
ونظم انتصاحٍ كالقلادة في النحر
يدير عليهم من سُلافٍ حنانَه
كؤوسًا فتُنسيهم معتَّقة الخمر
ويطبع فوق الخدِّ قُبلة حبه
فتهتز أعصاب القلوب من البِشْر
فلله من مَجلًى يجمِّل أفقَه
سناءُ هلالٍ بين أنجمه الزُّهْر
هنالك أقمارُ الهناء زواهرٌ
تحفّ بشمس السعد والأنس واليسر
إذا كان في الدنيا نعيمٌ فإنما
ترى روضه الفيّاح في ذلك المصر
سقى الله صوب الرغد والخير والدًا
يبرُّ بأولادٍ له أيَّما بِرّ
يكبُّ على الأتعاب طول حياته
ليجمع للأنباء كنزًا من الوفر
مخافةَ أن تنتابهم نُوَب الشقا
إذا خيَّمتْ في ربعهم سُحُب الفقر
وأشرفَ ما يأتيه في جنب خيرهم
إزاحة ستْر الجهل عن ساحة الصدر
فينفق في هذي السبيل نُضارَه
ولا ريبَ أن العلم خيرٌ من الدر
متى غادروا مغنى المعارف نُصِّبتْ
لهم في حمى الأوطان ألويةُ الفخر
يضوع لهم في كل نادٍ مآثرٌ
تردّدها الأفواه عبّاقةَ النَّشْر
بمثلهمُ تعلو البلاد مكانةً
ألا فاقتدوا يا قومُ بالوالد البَرّ
الشيخوخة
وشيخٍ جليلٍ كلّل الشيب رأسه
كتكليل غصن الروض بالنَّوْر والزهر
لئن فلّت الأيام حدَّ مضائه
فآراؤه تُغْنيك عن رونق الفجر
إذا جَنَّ ليل المشكلات تألّقت
له حكمةٌ أزهى من الشهب الغُرّ
فلا تخطئُ المرمى سهام ظنونه
ويقرأ طِرسَ الغيب في صفحة الفكر
فكم نكبةٍ جلّى الشيوخ غيومها
ولولاهمُ ضاقت بهم حِيَل القطر
وكم أزمةٍ كرَّت على الناس كرّةً
فرُدَّت على الأعقاب بالرأي لا السُّمْر
لقد صقلت كفُّ التجارب ذهنهم
وبالصقل يغدو الذهن أمضى من البُتْر
فباتوا على خُبرٍ بأطوار دهرهم
وعلمٍ بما فيها من النفع والضرّ
إذا كرَّ جيش الخطب جنَّد فكرهم
عليه من الآراء صمصامةً تبري
ألا إن رأي الشيخ أنفع للورى
من العضْب في كفّ الفتى الباسل الغِرّ
له مطلعٌ زانته هالة حكمةٍ
كأني بها من حوله هالة البدر
ومجلسه منثورةٌ في أديمه
عقود جمانٍ أو شذورٌ من التِّبْر
تحفُّ به في كل نادٍ مهابةٌ
كما حفّتِ الأبطال بالمجد والنصر
على أن عُمْر الشيخ مرَّ ولو غدا
على عرش عزٍّ في سما النهي والأمر
تراه أوان القَرِّ يهتزُّ رِعدةً
وإن حلَّ فصل القيظ ذاب من الحرّ
ينوح على عهد الشبيبة نادبًا
قواه وقد خانته في ساحل العمر
فلا غروَ إن يأسف على زمن الصبا
فقد بات مثل القوس محدودب الظهر
وقد وهنَتْ منه العزائم والقوى
وأضحى يعاني لوعة العجز والقهر
إذا أمن الأسقام كان خواره
على قلبه نوعًا من السقم والأسْر
يرى حوله أن المنايا رواصدٌ
لتُنشبَ في أحشائه مخلب الصقر
وفي يدها المنحات تنحت قبره
وتحفره كفُّ الردى أيما حفر
فليس يغيب الموت عن عين فكره
ولا تُصرَف الأنظار عن لجّة القبر
فيحسب أن الموت ناضٍ حسامه
يقدُّ له الأضلاع شطرًا على شطر
فتبّاً لدنيا يغمر الناسَ همُّها
ولذاتُها فيها عصيرٌ من الصبر
إذا شئتَ أن تحيا حليف سعادةٍ
فأعرضْ عن الدنيا وأقبل على البِرّ
فإن حياة المرء مثل سحابةٍ
تمرّ مرورَ الطيف والمرء لا يدري
ألا فاغرسِ الإحسان وازرعْ عوارفًا
لتحرزَ في الدارين أجرًا على أجر
وواظبْ على ورد المكارم والتقى
فتغنمَ خير الأجر معْ خالد الذكر
فخيرُ الورى من زان أيام عمره
بما يبهج الألباب في موقف الحشر