فِي خِزَانَتِي حُبٌّ...
لَيْسَ مُعَلَّقاً عَلَى شَمَّاعَةٍ
وَلَا مَطْوِيّاً بِعِنَايَةٍ،
هُوَ مَحْشُورٌ هُنَاكَ
بَيْنَ قَمِيصٍ نَسِيَ اسْمِي
وَعِطْرٍ تَغَيَّرَ صَوْتُهُ
حِينَ غِبْتَ...
فِي خِزَانَتِي حُبٌّ
يَسْتَيْقِظُ كُلَّمَا أَغْلَقْتُ البَابَ،
يَنْفُضُ عَنْ كَتِفَيْهِ غُبَارَ الِانْتِظَارِ
وَيُحَدِّقُ فِي المِرْآةِ طَوِيلاً..
كَأَنَّهُ يَسْأَلُنِي..
كَمْ مَرَّةً عَادَ مُبْتَسِماً
فَصَدَّقْتِ..
أَحْبَبْتُكَ
كَمَا تُحِبُّ المُدُنُ بَحَّاراً
يَعْرِفُ طَرِيقَ العَوْدَةِ
وَلَا يَحْتَرِمُ المِينَاءَ...
كُنْتَ تَغِيبُ
كَأَنَّ الغِيَابَ حَقٌّ مُكْتَسَبٌ..
وَتَعُودُ
كَأَنَّ الحُضُورَ مِنَّةٌ...
تَدْخُلُ بِابْتِسَامَتِكَ
وَتَقُولُ..
كُنْتُ مَشْغُولاً...
فَتَسْقُطُ مِنْ فَمِي الأَسْئِلَةُ
كَأَكْوَابٍ زُجَاجِيَّةٍ
أَدُوسُهَا حَافِيَةً
وَأَقُولُ: لَا بَأْسَ...
أَيُّ لَا بَأْسَ هَذَا
الَّذِي يَنْزِفُ وَلَا يُرَى..
كُنْتَ تُصْلِحُ مَا أَفْسَدْتَ
بِكَلِمَةٍ دَافِئَةٍ
بِكَفٍّ عَلَى رَأْسِي
بِقُبْلَةٍ مُؤَقَّتَةٍ
فَتَعُودُ الأَشْيَاءُ إِلَى أَمَاكِنِهَا
كَأَنَّ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ،
لَكِنَّنِي كُنْتُ أَسْمَعُ
تَحْتَ الأَرْضِ
تَكَسُّرَ الجُدْرَانِ...
جُدْرَانِ الحُبِّ..
جُدْرَانِ الثِّقَةِ..
جِدَارِ تِلْكَ الطُّمَأْنِينَةِ
الَّتِي بَنَيْتُهَا فِي صَدْرِي
طُوبَةً طُوبَةً
ثُمَّ سَلَّمْتُكَ المَفَاتِيحَ
وَمَضَيْتُ مُطْمَئِنَّةً...
كَذَبْتَ
لَا لِأَنَّ الكَذِبَ لُغَتُكَ..
بَلْ لِأَنَّ الحَقِيقَةَ
كَانَتْ تَتَطَلَّبُ بَقَاءَكَ...
وَعَدْتَ
لَا لِأَنَّكَ اشْتَقْتَ،
بَلْ لِأَنَّ الغِيَابَ
اسْتَنْفَدَ فَائِدَتَهُ...
وَانْشَغَلْتَ بِغَيْرِي
كَمَا يَنْشَغِلُ طِفْلٌ بِلُعْبَةٍ جَدِيدَةٍ
وَيَعُودُ لِلأُولَى
حِينَ تَمَلُّ الجَدِيدَةُ مِنْ يَدِهِ...
كُنْتُ أَعْرِفُ
وَأَصْمُتُ..
الصَّمْتُ
لَيْسَ ضَعْفاً،
هُوَ مُحَاوَلَةٌ أَخِيرَةٌ
لِإِنْقَاذِ مَا يُمْكِنُ إِنْقَاذُهُ...
فِي خِزَانَتِي حُبٌّ
صَارَ يَضْرِبُ الجُدْرَانَ..
لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ الطَّيَّ..
وَلَا الظَّلَامَ..
وَلَا رَائِحَةَ الأَعْذَارِ...
صَارَ يَسْأَلُنِي..
إِلَى مَتَى..
إِلَى مَتَى أَكُونُ المَرْأَةَ
الَّتِي تَفْهَمُ..
وَتُسَامِحُ..
وَتُؤَجِّلُ الِانْفِجَارَ
كِي لَا تُخِيفَ مَنْ لَا يَخَافُ فِقْدَانَهَا..
شَيْءٌ مَا
يَتَحَرَّكُ فِي رُوحِي الآنَ...
لَيْسَ غَيْرَةً..
وَلَا عِتَاباً..
وَلَا دَمْعَةً مُتَأَخِّرَةً...
إِنَّهَا ثَوْرَةٌ..
ثَوْرَةُ امْرَأَةٍ
اكْتَشَفَتْ فَجْأَةً
أَنَّ قَلْبَهَا لَيْسَ غُرْفَةَ انْتِظَارٍ..
وَلَا مَحَطَّةً يَعُودُ إِلَيْهَا
مَنْ يَشَاءُ
وَيُغَادِرُ مَتَى شَاءَ..
أَنَا الَّتِي رَتَّبْتُ غِيَابَكَ
كِي لَا يَبْدُوَ قَاسِياً..
أَنَا الَّتِي اخْتَرَعْتُ لَكَ الأَعْذَارَ
قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ بِهَا..
أَنَا الَّتِي رَمَّمْتُ نَفْسِي
كِي لَا أُحَمِّلَكَ الشُّقُوقَ...
لَكِنْ…
لِلصَّبْرِ حَافَّةٌ..
وَحِينَ يُدْفَعُ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ
يَسْقُطُ
وَيَأْخُذُ مَعَهُ الجَمِيعَ...
سَأَفْتَحُ خِزَانَتِي...
سَأُخْرِجُ هَذَا الحُبَّ
إِلَى الضَّوْءِ،
سَأَدَعُهُ يَرَى نَفْسَهُ
كَمَا هُوَ
لَا كَمَا وَعَدْتَ بِهِ...