دوحةٌ أفردها بين الجليدْ
ذلك الوادي الجديب المقفرُ
ظلها يمتدّ في الأفق البعيدْ
حيثُ لا ظلّ سواه يخطرُ
وضياءُ البدر، سأمانُ شريدٌ
جلَّل الوادي بنورٍ باهتِ
مثلُ لحنٍ مستسرّ صامتٍ
يؤنس الموتى بوادٍ مائتِ
دوحةٌ أفردها الموتُ فراحت
تَصْفر الريحُ حوالي جذعها
وطيورُ البومِ قامت، واستطابت
هدأة الوكر على أفرعها
والغرابين إليهنّ أفاءتْ
وتبارى الكلّ غربانا وبوما
في صراخٍ يملأ الدنيا وجوما
وينزّي في مهاويها النجوما!
والأفاعي، والسّعالى، والذئاب
حفرتْ في جذرها أَوْجارها
مسّها للجوع أظفارٌ وناب
هي أمضى من شَبا أظفارها
بل هي الظفر، فما إلا السّغاب
كل نابٍ شبّ فينا أو ظفرْ
وشجاها اليوم، يا بئس السمر!
فمضت تعْوِلُ في ضوء القمرْ
دوحةٌ عملاقةٌ، بين النجوم
فرعها العالي، عزيز الكبرياءِ
تعصف الريح، وتجتاح الرجوم
جذعها السامق في غير وناءِ
وَذَيَاك الجذع ما زال يقوم
بعد أن زال عن الفرعِ الورقْ
ساخرُ النظرة من تلك الفِرق
عَضَّها الجوعُ وأعياها الفرقْ!
فمضت تذرع واديها السحيق
زُمَرًا تنشب في صدر زمرْ
ظفرُها الدامي، وأصداءُ النّعيق
تطرب العاوين في ضوء القمرْ
وهمُ نشوى، وهيهاتَ يفيقْ
مَنْ أثار النّور خيم المجرم
فيه فارتاح لإهراق الدم
وشَجَتْه صرخات الألم
عبدوا الموت بمحراب الحياهْ
فقضوا فيها، ولما يلحدوا!