ما شِمتُ برقَ سنًا من أفق «ذي سَلَمِ»
إلا أسلتُ دموعَ العين كالدّيمِ
وما سرى بيَ من «سلعٍ» نسيمُ صَبا
إلا أثار الجوى في جيرةِ العلم
كم ليلةٍ بتّ أرعى سرحَ أنجمها
أطوي الأضالعَ من وجدٍ على ألم
حيرانَ يحرقني وجدي، وتُغرقني
عيني بدمعٍ كهامي الوَدْق مُرتكم
أستقبلُ الرّيحَ إذ تسري أُسائلها
هل عندكم خبرٌ من تِلْكم الخِيَم؟
فهيّجتنيَ أشواقي إلى مِدَحٍ
تُنهى إلى من إليه مُنتهى الكرم
محمدٌ تاجُ هذا الكون جوهرةٌ
جلّت - ولو قُوبلت بالخَلْق - عن قِيَم
حلوُ السّجيّةِ ميمونُ النّقيبةِ لا
تُخشى بوادرُه بالبَطْش والنِقَم
كأّنما سرّه روحُ العوالم مُذْ
فيها سرى سريانَ النّورِ في الظُّلمَ
أقضى العبادِ لحق الله أعرفُهم
به، وأرسخُهم في العلمِ والحِكَم
جلّت عن الوصف أوصافٌ له عَظُمتْ
عن أن يُبيّنها ذو القولِ والقلم
حاز الكَمالاتِ طُرًا غيرَ مشتركٍ
فيها، وشُمّ المعالي غيرَ مزدحم
وخلَّص الفكرَ مما قد أصرَّ على
تعظيمه دونَ ربِّ النّاس من صنم
والشّرعَ شرَّفه، والشرك هوّنه
بمشرفيٍّ على الأرواح مُحتكم
دعا إلى الله من لم تأتهم نُذُرٌ
بكلّ موعظةٍ حسناءَ والحِكَم
أبانَ مولدُه عن سعدِ طالعه
مُذ ذرّ كوكَبُه من ضِئضِئ الكرم
ما زال مذ ولدته الأمّ متّصفًا
باليُمن يُدعى أمينًا غير متَّهم
وزادهُ يتمه بين الورى شرفًا
كما يزيد غلاء الدّر باليُتم
بشرى لإبنةِ وهبٍ أنّها وُهبتْ
دونَ العوالم كنزًا غاليَ القيم
يا فخرَها حملتْ مَن قطُّ ما حملتْ
بناتُ حوّاءَ من يحكيه في الشّيم
خرّتْ لهيبته الأوثانُ وانهملتْ
عيونُ عابدِها بالأدمع السُّجُم
والفُرْس إذ عاينوا الإيوان مُرتجِسًا
تفرَّسوا باستلاب المُلك والنِّعم
وأوجَسوا الخوفَ والنِّيرانُ خامدةٌ
وأيقنَوا قُربَ يومِ الوَيل والنِّقم
وراعهم بغتةً غورُ البحيرة إِذ
لم يُلفَ منها ولو مِقْدار ملءِ فَم
يا يومَ مولدِ خيرِ الخلق كم ظهرتْ
به خوارقُ من مَعنًى ومن كَلِم
أَعْظِم بخَلقِ نبيٍّ لم يَدَعْ أثرًا
للبحر من كرمٍ والدّهرِ من هِمَم
هو الحكيمُ الذي لقمانُ يغرقُ في
قُطيرةٍ من بحارٍ فيهِ من حِكَم
وخاتمُ الرّسل خيرُ الخلق أفضلُ من
مشى على مَتن هذي الأرضِ بالقَدم
بدا فقيرًا فأغناه الإلهُ كما
آوى، وأدّبه بالعلم في اليُتم
ولم يَزلْ نورُه المعروف منقلبًا
في السُّجَّد الغُرِّ من آبائه القِدَم
أهلَّ تعرفُ بالسِّيما سيادتَه
وتمَّ كالبدر مطبوعًا على الكرم
هو الحبيبُ الذي يرجوه مُختبطٌ
أضاقَ ذاتَ يديه ضغطةُ العدم
سمحُ اليدين على العَلاّت، جاد كأنْ
في كفّه كيمياءُ الجودِ والكرم
كلتا يديه غياثٌ تُغنيان لهم
عن نائل الأجودين البحر والدّيم
والسُّحبُ إن أمطرتْ غيثًا فراحتُهُ
في المَحْل ممطرةُ الآلاءِ والنِّعم
والبحرُ إن أخرجوا من قعره دررًا
فقلبُه مخرجُ الأحكامِ والحِكَم
يا خيرَ من أمّه في المَحْل ذو أملٍ
أوهى عُرا العيشِ منه غصّةُ الإِزَم
وإن أتاك مُسيءُ النّاس معتذرًا
هززتَ للعفو عِطْفَي غيرِ مُنتقم
تلقاه هشّاً بوجهٍ زاد رونقَه
بِشْرٌ وعن مثل سِمْطِ الدُّر مُبتسم
لا ينقصُ الغيظُ حسنًا من أسرَّته
والغيظُ ما كان يُبقي بهجةَ الوجم
لم يُضمرِ الغدرَ قلبٌ منه رقّ ولم
يطوِ الضلوعَ على غِلٍّ ولا أضم
وثقْ بنائله مهما تبسّمَ لا
كخُلّب البَرق قد يخلو عن الدّيم
أغرُّ أبيضُ يُستسقى بدعوته
ويُستزالُ بلاءُ القحط في القُحَم
بالمؤمنين رؤوفٌ خافضٌ لهمُ
منه جناحين من حِلمٍ ومن كَرم
يفترُّ عن دُررٍ فُوه، ونكهتُه
أشهى من العَنبر الورديِّ في الشّمم
أَعْظِمْ به وهو فردٌ لا تُفارقه
مهابةُ المَلك المَحفوف بالحَشَم
حاز المحاسنَ حتى إنّ يوسفَ لو
يأتي يواسمُه في الحُسْن لم يَسِم
يا سيّدًا سبّحت في راحتيه حَصًى
تسبيحَ ذي النّون يدعو الله في الظُّلم
وكم شَفَت سَقَمًا بالمسح راحتُه
فلم يَرَوا بعده للدّاء من ألم
أطاعه الغيمُ حتى إنّ دعوتَه
أحيا بها الأرضَ مُحيي الأعظُم الرقُم
جاءت لدعوته الأشجارُ ناكسةً
رؤوسَها عادةَ المِطْواع من خَدَم
وأشبعَ الجيشَ بالتّمر القليلِ وقد
أتَوه يشكون فرطَ الجوعِ والنّهم
والكِتفُ كلّمه بالسّمّ يُخبرُهُ
فيَا له من كَلامٍ لم يكن بِفَم