تخطَّ إلى المحتوى

حي الديار لمي حين تبتسم

البسيط

٤٣ بيت

النسيب

حَيِّ الدِّيارَ لِمَيٍّ حِينَ تَبْتَسِمُ

كَأَنَّهَا في رُبَى أَحْلامِنَا عَلَمُ

عُصْفُورَةُ الشَّجَنِ السَّكَّابِ في خَلَدِي

لَهَا يَبِسُ الحَشَا مِنْ وَجْدِهَا ضَرَمُ

طَارَتْ بِقَلْبِي إلى آلَاقِ عِزَّتِهَا

فَالرُّوحُ بَعْدَ نَوَاهَا لَيْس تَلْتَئِمُ

يَا مَيُّ يَا غُصْنَ بَانٍ في مَلَاحَتِهِ

تَهْفُو إِلَيْهِ القَوَافي وَهْيَ تَحْتَدِمُ

عُصْفُورَتِي غَرَّدَتْ في صَدْرِيَ انْطَلَقَتْ

فَصَارَ نَبْضِي بِفَيْضِ الشَّوْقِ يَرْتَسِمُ

هِيَ الهَوَى والجَوَى والهَمُّ في كَبِدِي

وَهِيَ المَلَاذُ إِذَا مَا حَلَّتِ الظُّلَمُ

رَقَّتْ مَحَاسِنُهَا جَلَّتْ بَرَاءَتُهَا

كَمَا تَرَقْرَقَ في أَنْفَاسِنَا النَّسَمُ

إِذَا انْثَنَتْ خِلْتُ بَدْرَ التَّمِّ يَتْبَعُهَا

وَإِنْ رَنَتْ فَنِصَالُ المَوْتِ تَنْهَزِمُ

يَا وَيْحَ نَفْسِيَ مِنْ شَوْقٍ يُؤَرِّقُهَا

عَلَى التي رِيقُهَا كَالشَّهْدِ يُغْتَنَمُ

عُصْفُورَةٌ سَكَنَتْ عَرْشَ الدَّلَالِ فَلا

سِوَى رِضَاهَا لِقَلْبِي اليَوْمَ يَحْتَكِمُ

مَيْفَاءُ قَدٍّ، رَخِيمُ الصَّوْتِ مَنْطِقُهَا

تَنْسَابُ لَحْنًا عَلَى الأَوْتَارِ يَنْسَجِمُ

لَوْ كَانَ لِي في مَقَامِ الحُبِّ مَنْزِلَةٌ

لَكُنْتِ أَنْتِ نَبِيًّا لَيْسَ يُتَّهَمُ

أَهْوَاكِ وَجْدًا، وَأَهْوَاكِ انْفِطَارَ نُهَىً

كَأَنَّ حُبَّكِ في أَعْمَاقِيَ القَسَمُ

عُصْفُورَةَ الهَمِّ، كُفِّي عَنْ مُعَذَّبِكُم

إِنَّ الغَرَامَ لِمَنْ ذَاقَ الهَوَى أَلَمُ

لَكِنَّهُ أَلَمٌ عَذْبٌ مَذَاقَتُهُ

كَالخَمْرِ في ثَغْرِ مَنْ لِلصَّبْرِ يَنْعَدِمُ

جُودِي بِوَصْلٍ فَقَدْ جَفَّتْ مَآقِيَنَا

وَأَصْبَحَ الدَّمْعُ في الأَجْفَانِ يَنْسَجِمُ

يَا نَبْضَ قَلْبِي، وَيَا عُصْفُورَةَ الهَوَى

أَنْتِ الحَيَاةُ وَأَنْتِ الوَبْلُ والدِّيَمُ

فَمَا رَأَتْ مُقْلَتِي في الخَلْقِ أَجْمَلَ مِنْ

هَذَا الجَمَالِ الذي يَهْوي لَهُ الشَّمَمُ

صَبٌّ أَنَا، لَهَفِي كَالنَّارِ مُشْتَعِلٌ

فَهَلْ لِمَيٍّ بِحَالِ الصَّبِّ تَعْلَمُ؟

فَأَنْتِ مَيٌّ، وَأَنْتِ البَّدْرُ طَالِعَهُ

وَأَنْتِ لِلرُّوحِ بَعْدَ اليَأْسِ مُبْتَسَمُ

مَيُّ التي سَكَنَتْ جَفْنِي وَخَاطِرَتِي

عُصْفُورَةٌ في رِيَاضِ القَلْبِ تَعْتَصِمُ

نَاعِمَةُ الرِّيشِ، لَكِنْ في لَطَافَتِهَا

سَيْفٌ مِنَ اللَّحْظِ بِالأَرْوَاحِ يَخْتَصِمُ

مِنْ رِقَّةِ الطَّيْرِ صِيغَتْ كُلُّ فِتْنَتِهَا

وَمِنْ شُمُوخِ المَهَا فِيهَا لَنَا شَمَمُ

يَا طِفْلَةَ الرُّوحِ، يَا مَيّاً، وَيَا غَرِداً

أَلْحَانُ ثَغْرِكِ لِلْمَحْزُونِ مُعْتَصَمُ

إِذَا شَدَتْ، خَجِلَتْ وَرْقَاءُ أَيْكَتِهَا

وَإِنْ بَدَتْ، لَحِقَتْ أَنْوَارَهَا الظُّلَمُ

عُصْفُورَةُ الخَلْدِ، مَا كَلَّتْ جَوانِحُهَا

عَنْ طَيِّ بَأْسِي، فَهَلْ في حُبِّهَا نَقَمُ؟

نَارُ الهَوَى بَيْنَ كَفَّيْهَا بَرُودُ صَبَا

وَكُلُّ صَعْبٍ لِمَيٍّ سَوْفَ يَنْهَزِمُ

عُيُونُهَا الغُودُ، أَمْثَالُ المَهَا حَوَراً

مَنْ ذَاقَ فِتْنَتَهَا بِالحُسْنِ يَنْسَجِمُ

يَا مَيُّ، يَا بَهْجَةَ الدُّنيَا وَزِينَتَهَا

أَنْتِ المَلَاذُ لِقَلْبٍ شَفَّهُ السقمُ

عُصْفُورَةَ الرُّوحِ، حَسْبِي أَنَّنِي دَنِفٌ

بِحُبِّ مَيٍّ، وَعَهْدِي لَيْسَ يَنْصَرِمُ

لَوْ بَانَ طَيْفُكِ في الأَحْلَامِ زَارَ كَرَىً

لَقَامَ مَيْتٌ مِنَ الأَجْدَاثِ يَغْتَنِمُ

يَا غُرَّةَ الفَجْرِ، يَا أَسْمَى مُقَدَّسَةٍ

عِنْدَ الهَوَى، حَيْثُ لا زَيْفٌ وَلا تُهَمُ

أَسْلَمْتُ قَلْبِي لِعُصْفُورِي، وَمَا خَفَقَتْ

جَوانِحِي لِسِوَى مَيٍّ، فَمَنْ يَلُمُ؟

طِيرِي بِرُوحِي إِلى عَرْشِ الخُلُودِ فَقَدْ

بَنَيْتُ لِلْحُبِّ بَيْتًا لَيْسَ يَنْهَدِمُ

عُصْفُورَتِي المَيُّ هَلْ تَدْرِينَ مَا فَعَلَتْ

تِلْكَ العُيُونُ؟ لَقَدْ أَوْدَى بِيَ السَقمُ

لَوْ قَطَّعُوا القَلْبَ إِرْبًا في مَحَبَّتِكُم

لَقَالَ نَبْضِي: بِحُبِّ المَيِّ نَبْتَسِمُ

عُصْفُورَةَ الحُبِّ، يَا مَيُّ التي سَحَرَتْ

لُبَّ العُقُولِ، فَمَا في عِشْقِهَا نَدَمُ

كَأَنَّ رِيشَكِ مِنْ نُورٍ وَمِنْ قُبَلٍ

وَنَقْرَ طَرْفِكِ في جُدْرانِيَ النَّغَمُ

يَا دُرَّةً في بِحَارِ الشَّوْقِ قَدْ لَمَعَتْ

يَغْدُو إِلَيْهَا الفَتَى، وَالمَوْجُ يَلْتَطِمُ

إِذَا بَكَيْتُ، فَمِنْ طِيبِ الوِصَالِ بَكَتْ

عَيْنِي، وَإِنْ غِبْتِ، هَدَّ الأَعْظُمَ الأَلَمُ

عُصْفُورَتِي، لَا تَطِيرِي عَنْ رُبَى شَجَنِي

فَأَنْتِ أَمْنِي إِذَا مَا خَانَتِ الأُمَمُ

سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ العُصْفُورَ غَانِيَةً

تَقْدُ القُلُوبَ، وَفِيهَا الرِّفْقُ وَالشَّمَمُ

هِيَ المَلِيكَةُ، مَيُّ، في تَواضُعِهَا

وَالحُبُّ عِنْدَ خُطَاهَا طَائِعٌ خَدِمُ