ما أذهبَ الهمَّ والأحزانَ والكمَدا
إلا هلالٌ به خيرُ الورى وُلِدا
وافى فيا نِعْمَ مولودٌ به خرسَتْ
أفواهُ مَنْ ركب الطغيان واللَّدَدا
كم آيةٍ فيه بانَتْ عند مولده
ما أنت إنْ غِبْتَ عن شيءٍ كمن شهدا
ما عالجَتْ أمُّه في حملِهِ ثِقَلاً
يا رُبَّ حاملِ شيءٍ منه قد جمُدا
ونارُ فارسَ في ميلاده خمدَتْ
بمَحْضِ نورٍ من الرحمن ما خمدا
وغاضَ بحرٌ خضمٌّ عند فارسَ في
يومٍ يظلُّ به الحِرباءُ مُصْطخدا
ما زال شيئًا فشيئًا يرتقي درَجًا
يُبدي من المجدِ ما لم يُخفِ من جحدا
حتى تكمَّل منه العقلُ أرسلَه
إلى الأنامِ الذي أحصاهمُ عدَدا
رآهُ أوسعَهم صدرًا فأودعَه
علمًا وأودعَ فيه الصبرَ والجَلَدا
فقام فيهم نذيرًا وهو منفردٌ
عصرٌ تخمَّرَ فيه الكفرُ مُنفردا
يدعو بلطفٍ ولينٍ في مواسِمهم
من لم يكن عابدًا حينًا ومن عبدا
إني نذيرٌ من الرحمن جئتُكمُ
كونوا عليَّ بذا إن جئتمُ شُهَدا
أسرَى به الله ليلاً عند مبعَثِه
ولم تكن لنبيٍّ قبلَه أبدا
أوحى إليه بآياتٍ مفصَّلةٍ
أعيا بها بُلغاءَ القوم والبُلَدا
ففنَّدوه وقالوا الحقُّ قولُكم
كأنهم يعرفون الحقَّ والفَنَدا
ولم يزلْ بين إرشادٍ وموعظةٍ
حتى به سعدتْ قومٌ به سُعَدا
وآخرون غدَوْا مستهزِئين به
وأضمروا في النفوس الحِقْدَ والحسدا
فجاءه الإذنُ أن هاجِرْ إلى بلدٍ
فيه الإلهُ أراد النصرَ والمددا
فاختارَ حَرْفًا سَبَنْداةً عَرندَسةً
تَخوَّفَ الرَّحْلُ منها تامكًا قرَدا
إلى رجالٍ على عهدٍ بنُصرَتِه
دون العِدا وعدوه العدَّ والعدَدا
أبناءُ قيلةَ أنصارُ النبيِّ ومن
قد هاجروا البلدَ المعهود والولدا
وبايعوا بيعةَ الرضوان في نفرٍ
حلُّوا من الكفر في الآفاق ما اتَّقدا
وعبَّدوا طُرق الإسلام واضحةً
حتى تأبَّدَ تحت السَّيفِ واتَّأدا
كم جاهلٍ جاء من خوفٍ ومن فزعٍ
من كلِّ أرضٍ يخاف القيْد والصَّفَدا!
وذو شقاقٍ أتى في ثوب أُبَّهةٍ
من خوفه صدَّ مرعوبًا ومُرتعدا
كأنه الذِّيبُ لاقى بَغْتةً أسدًا
في غِيله، هل رأيتَ الذِّيب والأسدا؟
وخلَّف الدينَ في أيدي خلائِفِه
من بعده كلُّهم وافٍ بما وعدا
أسْدَوْا به وأناروا ثَمَّ ما تركوا
في البرِّ والبحر عن دين الهدى أحدا
يا ربِّ بالمصطفى وآله وبمن
للهِ في ظُلُمات الليل قد سجدا
أرجوكَ إصلاحَ نفسٍ للهوى فسدت
فالنفسُ تعجزُ عن إصلاح ما فسدا