كِلِينِي سَارُ لِدَاءٍ يَا رِيَاحُ مُهَيِّبِ
وَلَيْلٍ كَأَنِّي فِي جَحِيمِ الْكَوَاكِبِ
وَقَفْتُ عَلَى الْأَطْلَالِ أُسْكِنُ خَافِقِي
وَجَفْنِيَ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْمَذَاهِبِ
أَطُوفُ كَشَبَحٍ بَيْنَ دَارٍ وَأَرْصِفَةٍ
فَأَبْكِي الدُّجَى وَالذِّكْرَيَاتِ النَّوَائِبِ
أُنَاجِي بَقَايَاهَا، وَأَلْمَحُ ظِلَّهَا
كَطَيْفٍ تَوَلَّى فِي الدُّجَى الْمُتَرَاكِبِ
رَأَتْنِي اللَّيَالِي شَاحِبَ الْوَجْهِ بَاكِيًا
تُكَفْكِفُ دَمْعِي مِنْ هَوَانِ الْعَوَاقِبِ
وَأَبْكِي، وَلَكِنْ هَلْ يُعِيدُ بُكَائِيَ
زَمَانًا تَوَلَّى أَمْ يُجَدِّدُ النَّوَادِبِي؟
وَقَفْتُ بِأَرْضٍ قَدْ عَلَاهَا جَفَافُهَا
فَأَمْطَرَ دَمْعِي فَوْقَهَا كَالسَّحَائِبِ
فَقَالَتْ رِيَاحُ الْبَيْنِ وَيْحَكَ مُسْرِفٌ
أَمَا لَكَ قَلْبٌ يَسْتَكِينُ لِعَازِبِ؟
فَقُلْتُ وَهَلْ يُرْجَى الْأَمَانُ لِمُغْرَمٍ؟
وَقَدْ ضَاعَ بِالتَّذْكَارِ كُلُّ الْمَطَالِبِ؟
فَلَا الصُّبْحُ يُجْدِي وَالنُّجُومُ زَوَاهِرٌ
وَلَا الشَّوْقُ يُنْسِي مُهْجَتِي الْمَصَائِبِ
فَيَا دَارُ أَيْنَ الْأَهْلُ؟ أَيْنَ أَحِبَّتِي؟
أَأَنْسَاهُمُ دَهْرِي وَكُنْتُ خَيْرَ صَاحِبِ؟
كَأَنِّي أُنَادِيهِمْ بِأَرْجَاءِ وَحْشَةٍ
فَلَا صَوْتَ إِلَّا نَوْحُ قَلْبِيَ النَّوَاصِبِ
طَوِيلٌ مَسَاءُ الْحُزْنِ، مَا كَانَ مَاضِيًا
وَكُلُّ الَّذِي يَرْعَى النُّجُومَ مُعَاتِبِ
فَلَا السُّهْدُ يُبْقِي لِلنُّجُومِ مَهَابَةً
وَلَا الدَّمْعُ يُحْيِي مَنْ رَاحِلٍ وَغَائِبِ
أُقَاسِي الْمُنَى حَتَّى ظَنَنْتُ بِأَنَّنِي
سَأُدْرِكُ أَمْسِي فِي جُنُونِ التَّجَارِبِ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي، هَلْ أُلَاقِي مُتَيَّمًا
يُؤَاسِي فُؤَادِي أَمْ يَزِيدُ مَصَائِبِي؟
وَقَفْتُ هُنَا وَالرِّيحُ تَسْرِي كَأَنَّهَا
تُعِيدُ صَدَى الْمَاضِي دَمْعَ سَاكِبِ
وَأُبْصِرُ فِي الْعَيْنَيْنِ نَقْشًا كَأَنَّهُ
يُوَشِّي فُؤَادِي بِاللَّهِيبِ الْمُعَاذِبِ
وَأَهْتِفُ بِاللَّيْلِ الطَّوِيلِ عَلَّهُ
يُعِيدُ لِرُوحِي بَعْضَ نُورِ الْكَوَاكِبِ
فَلَا الصَّوْتُ يُجْدِي، وَالدُّمُوعُ مُغِيرَةٌ
وَلَا النَّفْسُ تَسْلُو لِلَيَالِي السَّرَائِبِ
فَدَعْنِي أُعَانِقُ مِنْ بَقَايَا أَطَلَّتِي
فَثَمَّ بَقَايَا دَمْعِ قَلْبِيَ لِلشَّوْقِ ذَائِبِ