هَادٍ وَيَسْمَعُهُ دَمِي
صَمْتٌ بَعِيدٌ عَنْ فَمِي
يَنْسَابُ فِي بَيْتِي كَمَا
يَنْسَابُ نُورُ الأَنْجُمِ
صَوْتٌ نَقِيٌّ لَا يَخَافُ
مِنَ الكَلَامِ المُبْهَمِ
يَبْنِي مِنَ اللاشَيْءِ بَيْتًا
فِي فَرَاغِ العَالَمِ
لَا يَطْرُقُ الأَبْوَابَ لَكِنْ
فِي الحَنَايَا يَرْتَمِي
كَالشَّمْسِ تَدْخُلُ لِلْبُيُوتِ
بِلَا سُؤَالِ المَحْرَمِ
يَمْشِي مَعِي فِي خَلْوَتِي
مِثْلَ الرَّفِيقِ الأَكْرَمِ
وَيَظَلُّ يَرْقُبُ غُرْفَتِي
بِوَفَائِهِ المُتَقَدِّمِ
يَمْتَدُّ مِثْلَ ظِلَالِنَا
فِي لَيْلِنَا المُسْتَسْلِمِ
لَمْ يَقْتَرِفْ ذَنْبَ الضَّجِيجِ
بَلْ كَانَ نَبْعَ المُلْهَمِ
يَأْتِي كَأُغْنِيَةٍ نَمَتْ
فِي قَلْبِ طِفْلٍ حَالِمِ
أَصْغِي إِلَى دَقَّاتِهِ
فَتَطِيبُ رُوحُ المُغْرَمِ
يَصْطَادُ مِنْ رَوْعِ النُّفُوسِ
بَقَايَا هَمٍّ جَاثِمِ
فَكَأَنَّهُ طِبٌّ لِمَنْ
يَشْكُو جِرَاحَ المِعْصَمِ
يَلْوِي ذِرَاعَ اليَأْسِ حِينَ
يَمُرُّ مِثْلَ المَرْهَمِ
يَأْتِي لِيَمْسَحَ عَنْ عُيُونِي
كُلَّ حُزْنٍ مُظْلِمِ
فَكَأَنَّهُ صَفْوُ النَّدَى
فَوْقَ النَّبَاتِ المُعْدَمِ
هُوَ رَوْعَةُ النَّفْسِ التِي
تَنْجُو بِقَلْبٍ سَالِمِ
لَا يَدَّعِي أَنَّ النِّدَاءَ
يَمُوتُ إِنْ لَمْ يُفْهَمِ
وَيَقُولُ لِي مَا لَمْ تَقُلْهُ
قَصَائِدُ المُتَكَلِّمِ
يَمْحُو عَنِ السَّاعَاتِ ثِقْلَ
ضَجِيجِنَا المُسْتَحْكِمِ
قَفَصُ المَكَانِ يَضُمُّهُ
ضَمَّ الشَّحِيحِ لِمَغْنَمِ
حُرٌّ فَلَا قَيْدٌ لَهُ
فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَوْسِمِ
لَا يَرْتَدِي ثَوْبَ الغُرُورِ
وَلَا طِبَاعَ الظَّالِمِ
مَا خَانَ عَهْدَ السَّاكِنِينَ
وَلَا طَبَائِعَ حَاتِمِ
تَبْكِي الحِكَايَاتُ الكَثِيرَةُ
تَحْتَ سَقْفٍ جَهَنَّمِي
مَا زَارَنِي إِلَّا رَأَيْتُ
بِهِ جَمَالَ المَبْسَمِ
أَنَا مِنْهُ فِي أَمْنٍ إِذَا
ضَاقَتْ خِيَارَاتُ الفَمِ
فَإِذَا سَكَتُّ نَمَا وَإِنْ
نَادَيْتُ... لَمْ يَتَأَلَّمِ
لَمْ يَنْتَظِرْ شُكْرَ الوُجُودِ
وَلَمْ يَكُنْ بِالنَّادِمِ
يَكْفِيهِ أَنَّ لَهُ هُنَا
رَأْياً لَدَى المُتَفَهُّمِ
قَدْ عِشْتُ أَسْمَعُهُ وَأَعْرِفُ
أَنَّهُ لَمْ يُجْرِمِ
إِنَّ الحُرُوفَ تَمُوتُ حِينَ
تَصِيرُ لَغْوَ المُرْغَمِ
يَضُمُّ أَشْتَاتَ القُلُوبِ
بِعَطْفِهِ المُتَرَحِّمِ
إِنْ قُلْتُ غَابَ، رَأَيْتُهُ
فِي عُمْقِ رُوحِي يَحْتَمِي
وَبِهِ تَعُودُ الرُّوحُ حُرَّاً
دُونَ أَيِّ مُزَاحِمِ
وَيَظَلُّ لِي كَوْناً مَلِيئاً
بِالأَمَانِ الدَّائِمِ
مَا كَانَ عَبْئاً فِي الحَيَاةِ
وَلَا دَلِيلَ تَشَاؤُمِ
بَلْ إِنَّهُ السِّرُّ النَّبِيلُ
يُضِيءُ صَدْرَ الآدَمِي