مَنِ المصلوبُ فينا والصليبُ
كلانا أيها الوطن الحبيبُ؟
صُلبنا فوق صدرك غير أنّا ان
تفضنا فانتشى الصدر الرحيب
وأنت وقد صلبت على صدورٍ
تجيش وما انطفا فيها لهيب
فكنتَ القلبَ إذ إنّا ضلوعٌ
وكنتَ الضِّلع إذ إنّا قلوب
تبادلنا العطاء فمنك كنا
ومنا وجهكَ الحسَنُ القشيب
قديمًا قد تحوّلنا ورودًا
وأزهارًا تضيق بنا السّهوب
وأطيارًا تهادى في فضاها
وأشجارًا تداعبُها الجنوب
وآرامًا تعجُّ بها الفيافي
وأُسْدًا في مناكبها تجوب
فيبني بعضنا بعضًا رفاتًا
لها في كلّ جارحةٍ دبيب
ففينا تعبق الأزهار عِطرًا
وتسري في خلايانا الطّيوب
وفينا تصدحُ الأطيار بِشْرًا
وتبتسم السنابلُ والحبوب
وفينا تزأر الآساد كِبْرًا
ويُحتقنُ التحفُّز والوثوب
ودارتْ دورةً أخرى فأخرى
تِباعًا والزّمانُ بنا يؤوب
توزِّعُنا الحياة كما تشانا
ويجمعنا الزمان كما يطيب
توحِّدنا كذا في كل شيءٍ
ومعنًى ضمَّهُ الوطن الحبيب
تداخلنا معًا حتى غدونا
بنا من كل زاويةٍ نصيب
ويجذبُنا إلى الأشياء سرٌّ
عميقٌ ليس ندركه عجيب
وبات المرجُ يحضننا دفيئًا
ويشجي سمعَنا اللحنُ الرتيب
توشوشُنا السّواقي في سُراها
ويرنو نحوَنا الجبلُ المهيب
وتعرفُنا الديار وإن بعُدنا
ونعرفها وإن طال المغيب
نعيشُ بقلبها وتعيش فينا
ونحياها وتحيانا حدوب
فإن الأم لا تُخطي بنيها
وإن طمست ملامحَهم ندوب
وإنا منذ فجر الدهر شعبٌ
يطيب بأرضه وبه تطيب
ولما جاء «إبراهيم» قِدْمًا
غريبًا ليس تعرفه الدروب
أجاروه وآوَوْهُ نزيلاً
ويأنس «بالكَناعِنَةِ» الغريب
أباةٌ يسكن الإنسان فيهم
فإن تَدْعُ المروءة يستجيبوا
لهم في صفحة التاريخ دورٌ
وعنوانٌ تمجِّده الحقوب
فما نسيت مآثرَهُم أريحا
وما نسي الشمال ولا الجنوب
وغزَّةُ والخليل وثغر عكّا
وبئر السبع والنَقب الكثيب
وما تنساهم «يَبُّوسُ» يومًا
وإن عصفت بساحاتها الخطوب
فليلٌ لم يَدُمْ وله صباحٌ
وحقٌّ لم يضِعْ وله طَليب