ما بال قصر الشمع لا يضاءُ
هبّ على مصباحه القضاءُ
لا فتية الرومان في بروجه
ولا غوانيهمْ على مروجه
ولا الليالي حوله أعراس
وفوقه وتحته أحراس
وما لبابليون من بعد العجم
أمست رجاماً في نواحيه الأجم
وأين في أفقيهما فسطاط
للنجم عن سدّته انحطاط
قد ألقيا اليه بالمقالد
وخرجا من طارف وتالد
سرداقٌ ينفذ حكم ربّه
من منبع النيل الى مصبّه
أوى الى أطنابه اليمامُ
لأنها الرحمة والغمامُ
و أمن الأعزل فيه الشاكي
وحذر المشكو صوت الشاكي
خفّتْ به القباب والخيام
وسالمت ضاربه الأيام
لم يبق من ذلك إلا مسجدُ
عال على باع الخطوب منجد
كالكعبة الرفيعة الدعام
ما حجّ إلا مرة في العام
إن كان لم يعلُ علو الهيكل
وليس بالملوّن المشكّل
لقد تردى حُللَ الجلال
بالبانيين الحق والحلال
أمير كلّ هيكل ومعبد
فاتهما بالسؤدد المؤبد
نسّىَ الديانات بمصر قبله
و لايزال للقلوب قِبْله
إسلامه وخالدا في آن
حلّ على الشّرك به رزآن
السيف والرأي بيوم أجمعا
و أستأذنا على محمد معا
فانقلب الحق بهذا فَرْددا
وعاد هذا بالهدى مسدّدا
بالفاتحين بشّر الإسلام
واستقبلت آمالها الأعلام
كلاهما كان رضى النبوّة
لم تشكُ كلّهُ ولانُبُوّهْ
وباز من صاد وسهم من رمى
من الهداة الراشدين الكرما
ما ضرّ عمراً منضج الهواجر
إن كان لم ينصر ولم يهاجر
كم هجر النوم أبو محمد
واكتحل العثير بعد الاثمد
عمرو القنا والرأي والجدود
رمى به الفاروق في الحدود
على فلسطين حمى الرايات
وحمل الخيل على الغايات
إذا المضيق لم يجد مضاء
للسيف قام رأيه فضاء
حتى حوى لعمر الإقليما
وحاز للإسلام أورشليما
فتح تولى صكّه الإمام
وأخذ الميثاق والزمام
يا صخرة الله اشهدي أن عُمَرْ
أبر من نهى وأوفى من أمر
سما الى مصر بطرفٍ وطمح
ولم يزل بعُمَرٍ حتى سمح
وجهه فهبّ والغزاةَ
كما أطار الصُيِّدُ البزاةَ
يطوي بهم طابخة الركائب
آكلة البعوث والكتائب
أنعاكِ أم أسقيكِ من بيداءَ
كانت دواء أبداً وداءَ
ماذا دهى مصر من الطواري
ولقيت من ذلك الجوار
كم رعتِها بداهم جرّاف
وآفة الجسم من الأطراف
وربّ جلاّد على جلاّد
سلّطت ويلين على البلاد
كم عصفت منك السوافي الهوج
وهبّت الحاصبة السيهوج
وكم بعثت بالمبشرات
على موات الحق منشرات
وكنت إن أسلت رائدينا
طويت دينا ونشرت دينا
شرّفت بالعذراء والمهاجر
وبالخليل آيبا بهاجر
وسيق فيك يوسف جليبا
فلقى التمليك والتغليبا
ووطئت بساطك الأسباط
وانتظم الشمل والاغتباط
وحُزت موسى جائلا وجائبا
يستقبل الآيات و العجائبا
ومصبحا بقفرة ومجهل
وممسيا بربوة ومنهل
وطالعا مخارم الجبال
و قابس النور على الأقبال
ترمين أرض النيل عن قوس الفلك
يوما بشيطان ويوما بملك
تهدين نورا تارة ونارا
والطامس المنار و المنارا
حتى مشت كتيبة الحواري
عليك كالأنوار والأنوار
وما النجوم الزّهر حُفَّتْ بالقمر
أروع من عمروٍ على خيل عمر
ولا قنا الأسباط حول يوشعا
أعفّ من قناهما وأخشعا
كتيبةٌ قليلة العديد
كثيرة بدينها الجديد
طوتْ الى مصر القفار طيّا
وركبتْ رياحها مطيا
فبلغ العُمْرانَ عمرو فرمى
بجمعه الروم حيال الفرَما
تسلقوا حصونها تسلقا
واقتحموا ما ردها والأبلقا
واخترقوا التخوم و الحدودا
سبحان من يداول الجدودا
وروودتْ بلبيس حتى أذعنتْ
وركبت بالمسلمين إذ عنتْ
ترجّل الحماةُ عن حصونها
ونزل الأباةُ عن مصونها
وظلّت الخيل تجوب الوادي
أندى على الريف من الغوادي
يسير في رخائها الملاّحُ
ولا يحسّ وطأها الفلاّحُ
حتى بدت منازل الرومان
ساهرة الخطّيّ واليماني
في حضن حصن أو ذرا لواء
بعيدَي المصعد في الجواء
فنزلوا سواد عين شمس
وسادُهم رحالُهم كأمس
وجثموا إلا عيونا ساميهْ
تجسّ حصناً أو تجوس حاميهْ
فخرج الرومان للقتال
في جحفل مدججٍ مختال
رحى الوغى بمثله تدور
وقطبها في قلبه تيدور
ليس لعمرو ما له من كثرهْ
وخوذةٍ وشكةٍ ونثرهْ
فأقعد الغازي له الكمينا
وأخذ الشمال واليمينا
يوم عليه بنيتْ أيام
لأمةٍ جدودُها قيام
من يصطبر للصدمة الأولى يسدْ
لا يصلح الفَل ّ ولو كانوا الأسدْ
بباب أليون تيودور اعتصمْ
فيمن وهىَ من الصفوف وانفصمْ
وجيء بالأمداد والسواد
من شحنة الروم وقبط الوادي
وظن أن الحصن معجز العربْ
فما لهم غير النكوص مضطرب
فإن أبوا أدّبهم بيوم
ما بعده قائمةٌ للقوم
فوردتْ كتيبة الزّبير
وعُمَرٌ مصدرُ كلّ خير
وظل بابليون وهو عاص
على الزبير وعلى ابن العاص
حتى تسوّر الزبير سوره
واعتزّ في وكونها نسوره
مشى على ناقوسه مكبرا
يا لك ناقوساً أحيل منبرا
أوفى على القوم فريع البرجُ
بفارس له السماء سرجُ
صوتٌ هفا في الحصن بالعزائم
كنبأةٍ في جوف أيكٍ نائم
فضاع رشد الروم والصواب
وفتحت من نفسها الأبواب
تبارك الله وجلّت العربْ
لم يثنهم جوّ ولم يعقْ سرَبْ
من فتح بلبيس لعين شمس
لا يصبح الضيغم حيث يمسي
وركب العلج العصا بمن معهْ
إلا قليلا غودروا في المعمعهْ
يبغي دمنهور بهم فجاءها
في مدد قد ملئوا أرجاءها
وإذ على آثاره خيل العرب
وخيله من هرب إلى هربْ
بعد قتال جال فيه الروم
وطاح أبطالهمو القروم
واندفعت خيل الإمام تعدو
يقدمها اليمن ويحدو السعدُ
حتى بدا الثغر فودّت قُبْلة
كما اشتهى العبسيّ ثغر عبله
و رابطت فجرّت الأرسانا
و التفتت تعاتب الفرسانا
وطيف بالثغر فلا ثنيّهْ
إلا عليها رصدُ المنيّه
فكيف لا يودي برشدِ قيصرا
أو بصواب قومه أن تحصرا
أقامهمْ سقوطها وأقعدا
وزعموه فوق طاقة العدا
وكان في الإسكندرية الملا
أملك في سلطانهم وأكملا
جموعهم في ساحها بلا عددْ
والبحر يغدو ويروح بالمدد
ومن أصاب البحر في سلطانه
عدّ جميع الأرض من أوطانه
تقضّت الأيام والشهور
والسيف في غير وغى مشهور
يفترّ عن لألائه فم الجُمَعْ
وتحتها للثغر خوفٌ وطمعْ
وربّه يستنزل الرومانا
ويعرض الإصلاح و الأمانا
حتى أعين رجل الإمام
برجل القياصر الهمام
وفتحت مدينة الإسكندر
صلحا وصفوا ليس بالمكدر
تأخر السيف وشارط الندى
يا غبن من يشارط المهندا
فقيل راعى المسلمين الوالي
وكان في السرّ لهم يوالي
وقيل بل ذو مأرب أرادا
بسلطة الكنيسة انفرادا
وكان في فروق سلطان البيع
تعنوا له في سائر الأرض الشّيع
حكم جفاه الاعتدال وقسا
إني أراهم ظلموا المقوقسا
لعله تبين الحقائقا
وذاد عن مصر بلاء حائقا
ووجد الرومان و القياصرا
لا يملكون في البلاد ناصرا
يرونها العنف والاستكبارا
و لا تحب الأمم الجبارا
مما مضى الدهر عليه والأول
أن النجاح لفتيّات الدّول