تخطَّ إلى المحتوى

في الغابة يصحو الحلم كسولا يحبو كالحيران

غير معروف

٨٨ بيت

المتفرقات

في الغابةِ يصحو الحُلمُ كسولًا يحبو كالحيرانْ

والوقتُ يَمرُّ ببُطءٍ

والنّهْرُ يسيرُ بلا أملٍ وبلا شُطآنْ

والوِجْهَةُ ضَلَّتْ تَبْحَثُ عن أيِّ هُدًى أو أيِّ أمانْ

جدرانُ الغابةِ هُدَّتْ

وشوارِعُها هُجِرَتْ

والأنقاضُ بِكُلِّ مَكانٍ مُدَّتْ

وحَماماتٌ بيضٌ بِيدَتْ

والثَّعلَبُ فوقَ رُكامٍ يُلقي للحَشْدِ أهَمَّ بَيانْ

يَتَمايَلُ زَهْوًا وهْو بِطَلَّتِه نَشوانْ

(إنّي أسْمَعُ هَمْسَ الرّيحِ تَزِفُّ البُشرى

تَهْتِفُ يَحيا يَحيا

والرّيحُ تُغَنّي باسمِ الأسَدِ

الأشْجارُ تُصَفِّقُ للشُّطآنْ

والقِرْدُ يُصَوِّتُ نَشوانًا

يحيا المَلِكُ الفَذُّ ويَبْقى أبدًا عَرْشُ السُّلْطانْ

نورٌ يُشْرِقُ من عَيْنَيْهْ

وجَبينُ العِزِّ بَهاءٌ مَوْروثٌ

والحِكْمَةُ مِنه إلَيْهْ

كُنّا نحيا في خوفٍ والآنَ الغابَةُ قد أمِنَتْ بِيَدَيْهْ

شيءٌ من فَقْر أو جوعٍ لا ضيرَ الصَّبْرُ جميلْ

والغاباتُ الأخرى قد هُدَّتْ واحْتُلَّتْ

فَلْنَبْقى أبدًا نَتْبَعُ مَن لَيْسَ له في النّاسِ مَثيلْ

وإذا يخطو الغابة تخضرّْ

أنفاسُ المَلِكِ الرُّعبُ إذا يزأرْ

يوقِظُ ريحَ الخوفِ تُزَمجرْ

قلبُ الغابةِ يَخْفِقُ حُبًّا، والصّفْوةُ والأبرارُ له خَدَمٌ، والخائنُ مَسحوقٌ مطرودٌ، والمُتَمَرِّدُ في السِّجْنِ مُدَمَّرْ)

أنهى الثَّعْلَبُ خُطْبَتَه والغَابَةُ في صَمْتٍ تَسْخرْ

والزَّمَنُ يُقَلِّبُ صَفْحاتِ الحَشْدِ ولا يَتَأثَّرْ

وخريفٌ يَنْفِضُ رأسَ الأشْجارِ، الصّورةُ تَصْفَرّْ

والرّيحُ تَمُرّْ

أضحى مَلِكُ الغابَةِ مَكسورَ المِخْلَبْ

وأخاديدُ الوَجْهِ إشاراتُ العَجْزِ

وقانونُ الغابةِ: "قد تَتَخَفّى بينَ الأشْجارِ ولكن لن تَهْرَبْ"

الدِّرعُ الذَّهَبيُّ تَعَطَّلَ

وشروخٌ تَظْهَرُ في صَنَمِ الخوفِ

خدوشٌ لا تَتَجَمَّلُ في المِرآةِ ولا تَكذِبْ

قالَ الثَّعْلَبُ مُهْتَزَّ الصّوتِ عجوزًا أشيبْ:

(مَلِكُ الغابةِ لا يمرضُ بل يرغَبُ أن يَشْعُرَ بالحَشْدِ وآلامِ الحَشْدِ

لِكُلِّ حَكيمٍ في الرَّحْمَةِ مَذْهَبْ

وعَرينُ الأسَدِ صروحٌ لا تَهْتَزُّ ولا تَتْعَبْ)

والرّيحُ هُنالكَ تَنْظُرُ

تَضْحَكُ ساخِرَةً بئسَ النّاطِقُ والسّامِعُ

ما أسرعَ هذا الدَّهرَ إذا يَتَقَلَّبْ

هَمَسَتْ في أذُنِ الأشجارِ: الشَّوْكُ يعيشُ طويلًا

لن يَرحَمَ يومًا هذا المِخْلَبْ

أمسى يزأرُ لا يُسمَعُ رجعُ صداهْ

وضِباعُ الغابةِ خَرَجَتْ تَخْطَفُ هَيْبَتَه وتَرودُ الحَشْدَ إلى مَرعاهْ

وقطيعُ ذئابٍ يلهو

لا تجرؤ أن تقضيَ في الأمرِ يداهْ

وكأنَّ رياحَ اليومِ تُبَدِّدُ ما خَطَّتْ في رملِ الأمسِ خُطاهْ

وكطيفٍ كان على رغمِ الأنيابِ مَداهْ

والظِّلُّ هُنالكَ خارَ كقوسٍ مُنْحَنِيًا ألقى في القاعِ سُداهْ

أرخى اللّيلُ سُدولًا

والجَفْنُ يُطارِدُ وَهْمًا والبؤسُ يُبَدِّدُ بعدَ المُلْكِ مُناهْ

كانَ الأسدُ حريصًا أن يَعْبُرَ جِسْرَ الخَيْبَةِ من قبلِ طُلوعِ الفَجْرِ

فقانونُ الغابةِ لا يرحمُ ضَعْفًا أو يجري حسبَ هَواهْ

فرَّ المَلِكُ المهزومُ الخَيْبَةُ تَدْفَعُه والضَّعْفُ يهُدُّ قُواهْ

كانَ جَبانًا في شَكْلِ شُجاعٍ

فأرًا يَتَخَبَّأُ في جَسَدٍ ضَخْمٍ مَحْمِيًّا بجُنودٍ أجْبَنَ منه ولكنَّ الحشدَ غدَا يَتَعَبَّدُه في ذلٍّ خوفًا من طولِ أذاهْ

والفُرْقَةُ دَيْدَنُهم

لا يُمْكِنُ أن توقِظَ صُبْحًا بهُتافٍ مُفْتَرِقٍ يَتَشَتَّتُ في الرّوحِ صَداهْ

الصُّبْحُ تَنَفَّسَ من رِئَتَيْ حَشْدٍ لم يَبْكِ عَلَيْهْ

والنّهرُ تَوَقَّفَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهْ

لم يبقَ له أثَرٌ وكأنْ لم يكُ من شَيْءٍ كانَ لَدَيْهْ

وعلى الشُّطْآنِ الغِزْلانُ تُداعِبُ صورتَها في الماءْ

واللّحْنُ يُدَوّي في الأرجاءْ

ماتَ الأسَدْ

ماتَ المَلِكْ

والنَّسْرُ يُحَلِّقُ فوقَ عَرينٍ مُنْدَكٍّ لم تَرْحَمْهُ الأنواءْ

لم تُبقِ سوى لَمْحِ الذِّكرى السّوداءْ

وصدى خُطواتٍ عاثِرَةٍ

وزئيرٍ مبحوحٍ

وقصائدِ مَدحٍ

أسماءٍ

ألقابٍ

ورموزٍ شوهاءْ

في أقصى الغابةِ يمشي شَبَحٌ ظَمآنْ

ظِلُّ يَهْربُ بذَليلٍ عُريانْ

وخُطاه تجُرُّ الخَيبَةَ

تَطْلُبُ في نَفَقِ العارِ مَلاذًا

تَبْحَثُ عن أيِّ هُدًى أو أيِّ أمانْ

أدْرَكَ أنَّ المُلْكَ صُروحُ الحُبِّ

ظلالُ النّورِ

جمالُ الإنسانْ

ماتَ

وراحت ريحُ الغابِ لتَبْحَثَ عن صَيّادٍ آخَرَ تَخْدَعُهُ بالعَرْشِ

كذلكَ في مُدُنِ الإنسانْ