ضريحُ «شرْبلَ» للقاصي وللداني
برءُ السقام لأرواحٍ وأبدانِ
ريّا الزنابق بالأكمام باكرَها
طلٌّ تقطّر من قبرٍ وجثمان
أريجُ جسمٍ طَهورٍ بالأنوف زكا
يسري على نَسَمِ الشِرْبين والبان
من نصف قرنٍ ضجيعٌ في قرارته
بالنور ملتحِفٌ بالطِّيب نديان
لَدْنِ المجسّ كغصنٍ في نضارته
صافي المحيا غضيض الطرف وسنان
أعجوبةُ العصر لم يسبقْ لها مثلٌ
في سالف الدهر في تركيب إنسان
حار الأطباء في تعليل معجزةٍ
وحيرةُ الطبّ فيها خير برهان
يجري على مبضع الجراح عبْطُ دمٍ
كما جرى قدمًا من جنب حنّان
جرحٌ وسامٌ على صدرٍ لخزي فتًى
يسعى لأوسمةٍ تُبلى وتيجان
بوركت من مبضعٍ يا ليت في كبدي
جرحًا يطهّر آثامي وأدراني
يا راهبَ الدير خذ من نوره قبسًا
في الزهد والنسك وانسَ العالمَ الفاني
يا للضريح وكم أيدٍ مسحنَ به
وكم وجوهٍ ذوي سقمٍ وعميان
يدعون شربلَ والأجفانُ واكفةٌ
وفي الضلوع لظى حبٍّ وإيمان
تمشي الألوف حيال القبر منشدةً
آياتِ حمدٍ وتسبيحٍ وشكران
تمشي حفاةً على أرضٍ مقدّسةٍ
لا فرقَ ما بين سنّيٍّ ونَصراني
كأنها وطئت ريشَ النعام فلا
تدمى الأخامص من شوكٍ وصوّان
عصائبُ الطير تغدو من مجاثمها
حرّى الحواصل حامت فوق غدران
سربٌ يصعّد ظمآنًا لمحبسةٍ
سربٌ تحدّر منها غيرَ ظمآن
ريانَ من نعم القديس منذهلاً
من غرفةٍ كوِجارٍ ذات جدران
سوداءَ من دخن الأسهار جاورها
للنسك في شكلها المرموق ثلتان
في معبرٍ مثل جوف الغار متّصلٍ
بمعبدٍ بائخ الأنوار حزنان
فلا فراشَ لضاوي الجسم في وسنٍ
سوى حشيّة أشواكٍ وعيدان
في ذروةٍ بجوار الدير نائيةٍ
عن أعين الناس من أهلٍ وإخوان
سوى وحوش الدجى تسعى لمطعمها
بين الصخور بإعوالٍ وإرنان
والسنديانُ وريف الظل باسقه
للطير ملعبُ تغريدٍ وألحان
قضى الحياة حبيسًا في قرارتها
كأنه مَلَكٌ في العالم الثاني
بالنسك بالصوم بالترنيم في أرقٍ
بقلب متّحدٍ بالله ولهان
لم يبْقَ للطين في حيطانها أثرٌ
كأنما الطين من درٍّ ومَرجان
قلائدٌ في نحور الغيد شافيةٌ
من كل داءٍ وحرزٌ ضدّ شيطان
والسنديانةُ ملء الحقل وارفها
بالأمس كانت مقيلَ الناسك العاني
ذوائبُ الغيم ضلّت في ذوائبها
ما بين فينانِ أمْلودٍ وفينان
سقى بأعراقه السمحاء غرستَها
فأفرعت بشماريخٍ وأغصان
تخطَّفَتْها قلاماتٌ مباركةٌ
أيدٍ لأيدٍ وركبانٌ لركبان
هناك قد حوّلت أيدي الحبيس ثرى
صمِّ الصخور إلى كرمٍ وبستان
في القَرّ والحَرّ لم تخمد عزيمته
كأن هيكله المنهوك روحاني
طاوي الحشا وفتيتُ الخبزِ بلْغتُهُ
فاعجبْ لغرثانَ يبدو غيرَ غرثان
عظاتُ حيٍّ ومَيْتٍ ملؤها عِبَرٌ
لردع غيّانَ أو تنبيه غفلان