تبدَّلَ وجهُ الدجى حين غِبْتِ
وأطفأَ في الصبحِ سرَّ الفِطَن
وأرخى المساءُ على خاطري
سوادًا يُغالِبُ ضوءَ السُّنن
وصارت نجومُ السما واجماتٍ
كأنَّ انطفاءكِ فيها سكن
تُقلِّبُ طرفًا على موضعٍ
رأى طيفَ عينيكِ ثم ارتهن
ويصعدُ من صدريَ الموجُ حزنًا
فيكسرُ صمتَ الليالي الوهن
ويغرقُ صوتي ببحرِ الأنينِ
فلا الشطُّ يُنجي ولا من سفن
ويجري النسيمُ كسيرَ الخطى
كأنَّ اشتياقي به قد فُتِن
يُفتِّشُ بين الغصونِ عليكِ
فلا الدربُ دلَّ ولا ما اهتدى ظن
وتنحني الأرضُ من لوعةٍ
إذا مرَّ طيفُكِ فوق السكن
وتُخفي بباطنِها رعشةً
تُناجي بها اسمكِ المستكن
ويخجلُ فجرٌ إذا ما حضرتِ
ويطوي شعاعًا به قد علن
كأنَّ الضياءَ غريبٌ لديكِ
وأنَّ جمالكِ أصلُ الحُسن
ويغفو المساءُ على ذكرياتٍ
تُعيدُكِ في القلبِ رغم الحزن
كطفلٍ يمدُّ يديه إليكِ
ويُخطئُ دربًا ويُدركُ ظن
فإن غبتِ ضاقَ الفضاءُ عليَّ
وصارَ الوجودُ كبيتٍ وهن
تكسَّرَ فيه رجاءُ الحياةِ
وضاعَ الطريقُ وضاقَ الزمن
وإن جئتِ عادَ الندى باسِمًا
وغنّى الربيعُ وطابَ السكن
وأقبلَ وجهُ الوجودِ الجديدِ
كأنَّ الحياةَ وُلدت من الدن
فيا من سكنتِ عروقَ الفؤادِ
وأجريتِ في نبضِه ما فُتن
تركتِ فؤادي رهينَ الأسى
يُصارعُ ذكرى... ولا يستكن
أُحدِّثُ عنكِ الليالي الطوالَ
فتبكي الجبالُ ويصغي الشجن
وتنثرُ في الريحِ سرَّ الحنينِ
فيهتزُّ من وجدهِ كلُّ غصن
ويجري النهرُ خلفي حزينًا
كأنَّ الفراقَ به قد رهن
فإن لامسَ الدمعَ في مقلتي
تثاقلَ مجراهُ حتى سكن
فما العشقُ إلا احتراقُ الفؤادِ
إذا ما تلاقى الهوى والوهن
وما البعدُ إلا سكونٌ ثقيلٌ
يُعيدُ الجراحَ ويُحيي الفتن
أُحاولُ نسيانَ عينيكِ يومًا
فتنهارُ ذاكرتي والمحن
كأنَّكِ نقشٌ بروحي عميقٌ
يُقاومُ محوَ الليالي الحزن
فإن عدتِ يومًا فخذني إليكِ
فإني تعبتُ من المحتجن
وإن لم تعودي فصمتي كفيلٌ
بسترِ الذي في ضلوعي سكن
ويبقى الفؤادُ وإن طالَ صبرٌ
يُنادِي عليكِ... ولا يستكن