تخطَّ إلى المحتوى

يا أيها البعيد القريب في الروح والورق

شعر التفعيلة

٤٠ بيت

النسيب

يا أيها البعيدُ القريبُ في الروحِ والورقْ

كيف أكتبُ عنكَ واللغةُ تنهارُ في أفقْ؟

أمسكتُ قلماً ، فإذا به يتبعثرُ

كطيرٍ فقدَ جناحهُ في طرقْ

رأيتُ طفلةً تزرعُ في الرملِ زهوراً

فقال لها الغيمُ : سيأتي الغدُ الرقيقْ

لكنها ضحكت وقالت : ما نفعُ غدٍ

إن كان قلبي اليومَ وحيداً ، غريقْ ؟

في المرايا يمرّ وجهُك مثل برقٍ خاطفٍ

يوقظُ في صدري بحاراً من شفقْ

وفي يديّ تتكسّرُ أسرارٌ كثيرةٌ

لكنّ اسمك يظلّ المفتاحَ والدفقْ

أصغي إلى الليلِ ، فإذا به شيخٌ حكيمٌ

يروي حكايا عن القمرِ العتيقْ

يقول : لا تبحثوا عن الحبِّ في الطرقات

الحبُّ نجمٌ ، لا تراه إلا إذا غفَوت بالأفقْ

أيا أنتَ ، يا من تكتبني كلّما

أردتُ أن أهربَ من الحروفِ والنسقْ

خذني إليك كما يأخذُ المطرُ أرضَه

وكما يأخذُ السحرُ قلبَ عاشقٍ غريقْ

أنا لا أطلبُ سوى يدٍ تمتدُّ نحوي

حين ينهارُ حولي الزمنُ العتيقْ

ولا أريدُ من العمرِ سوى أن أراكَ

حتى لو كنتَ وهماً يضيءُ ثم ينمحقْ

في الموانئ نامت سفنٌ بلا وجهةٍ

تحلمُ بشاطئٍ ، وتغفو على الأفقْ

وفي العيونِ دموعٌ لم تجد كفّاً

فبقيت معلّقةً ، كالنجومِ بلا شفق

كتبتُكَ على جدارِ صمتي فانشقّ

كأنَّ الحروفَ نارٌ ، والصمتَ حريقْ

وكلما حاولتُ أن أنهي القصيدةَ

انبثقَ منك سطرٌ جديدٌ ، رقيقْ

يا نهراً يسكبه الليلُ في وريدي

يا غيمةً تُنبتُ في صدري الشفقْ

كيفَ لا أعشقكَ ؟ وأنتَ حياتي

وأنتَ المعنى ، وأنتَ الطريقْ

وإن سألني التاريخُ عن معناه

قلت: هو وجهُه ، كتابٌ لا يشيخْ

وإن سألني الغيابُ عن نهايتي

قلت : بدايتي فيه ، وموتي فيه ، معتنق