يَا مَنْ بَرَىٰ جَسَدِي وَأَوْدَعَ فِي الْحَشَا
شَوْقاً يُؤَرِّقُ مُهْجَتِي بِتَحَرُّجِ
مَا زِلْتُ أَسْتَقِيَ الرَّضَابَ صَبَابَةً
كَالْخَمْرِ شُعَّتْ فِي الْإِنَاءِ الْمُسْرَجِ
وَتَمِيسُ فِي حُلَلِ الْجَمَالِ كَأَنَّهَا
بَدْرٌ تَهَادَىٰ فِي ظَلَامٍ أَدْعَجِ
لَمْ يَبْقَ لِي فِي الْعِشْقِ غَيْرُ حُشَاشَةٍ
تَشْكُو النَّوَىٰ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَهْوَجِ
يَا طَيْفَهَا الزَّاكِي أَعِرْنِي نَظْرَةً
تَشْفِي غَلِيلَ مَدَامِعِي وَتَلَجُّجِي
سِحْرُ الْعُيُونِ إِذَا رَنَتْ لِحَوَاظِرِي
أَزْرَىٰ بِكُلِّ مُثَقَّفٍ وَمُدَبَّجِ
صِيغَتْ مِنَ النُّورِ الْمُصَفَّىٰ خِلْقَةً
فَتَبَارَكَ الْبَارِي بِلُطْفِ الْمَنْهَجِ
لَوْ خُطَّ ذِكْرُكِ فِي الصُّخُورِ لَأَوْرَقَتْ
أَوْ لَامَسَ الْبَحْرَ الْأُجَاجَ بِمَمْزَجِ
أَنَا ذَلِكَ الصَّبُّ الَّذِي بَلَغَ الْمَدَىٰ
فِي حُبِّ مَنْ تَهْوَىٰ عُلَا التَّبَرُّجِ
نَارُ الْجَوَىٰ بَيْنَ الْأَضَالِعِ أُوقِدَتْ
بِشَرارِ ذَاكَ الْمَبْسَمِ الْمُتَفَلِّجِ
هَيْهَاتَ يُدْرِكُ مَنْ يَلُومُ صَبَابَتِي
سِرَّ الْجَمَالِ بِثَغْرِكِ الْمُتَوَّجِ
مَا الرَّوْضُ بَعْدَ الْغَيْثِ يَضْحَكُ زَهْرُهُ
بِأَرَقَّ مِنْ هَذَا الْقَوَامِ السَّجْسَجِ
طَارَحْتُهَا لُغَةَ الْهَوَىٰ بِلَبَاقَةٍ
فَأَجَابَ طَرْفٌ بِالْحَيَاءِ الْمُبْهَجِ
لَوْ أَنَّ قَيْساً شَاهَدَ الْحُسْنَ الَّذِي
مَلَكَ الْفُؤَادَ لَحَارَ كَالْمُتَهَيِّجِ
خَلَقَ الْإِلَهُ مِنَ الْبَهَاءِ كَمَالَهُ
وَحَبَاهُ طُهْراً فِي نَقَاءِ الثَّلَجِ
يَا دُرَّةً غَاصَ الْخَيَالُ لِنَيْلِهَا
فِي لُجِّ بَحْرٍ بِالْمَخَاطِرِ مُلْجِجِ
لَمْ أَخْشَ فِي حُبِّيكِ لَوْمَةَ لَائِمٍ
أَوْ قَوْلَ وَاشٍ بِالْخِدَاعِ مُدَجَّجِ
تَاللَّهِ مَا رَفَّتْ جُفُونِي لَحْظَةً
إِلَّا وَحُسْنُكِ فِي الْخَيَالِ بِمَوْلِجِ
أَهْواكِ يَا شَمْسَ النَّهَارِ وَبَدْرَهُ
يَا نَسْمَةً مَرَّتْ بِرَوْضٍ مُعْرِجِ
أَنْتِ الصَّبَاحُ وَكُلُّ حُسْنٍ بَعْدَكُمْ
لَيْلٌ بَهِيمٌ حَالِكُ التَّمَوُّجِ
فَاغْفِرْ لِقَلْبِي إِنْ تَمَادَىٰ شَوْقُهُ
فَأَنَا الْأَسِيرُ لِقَيْدِكِ الْمُتَوَهِّجِ
هَذِي قَوَافٍ قَدْ نُقِشْنَ لِخَاطِرِي
بِمِدَادِ تِبْرٍ فِي سِجِلٍّ أَبْلَجِ