يا حادي العيس يمّمْ بانةَ العلمِ
وحيّ واقرا سلامي أهل ذي سلمِ
وبثَّ وجدي لهم يا صاحِ إن سألوا
واشرحْ حديث غرامي غير محتشم
وصِفْ لهم مهجةً في الحب قد تَلِفَتْ
وجدًا عليهم وقد آلت إلى العدم
وقل تركت قتيل الحب قد سلبتْ
منه الحشاشةَ شوقًا جيرةُ العلم
وعن دموعي إذا راموا الوقوف فمن
وادي العقيق ومن هطّالة الدِّيَم
والنجمُ عن سهري يبدي لهم خبري
وعن نحولي وما ألقى من السقم
أبيت في قلق الأشواق ذا شجنٍ
معذب القلب في حزنٍ وفي ألم
أقلّب الفكر في نار الهموم فلا
يلقى سوى زفرات اليأس والندم
اللهُ في كبدٍ قد شفَّها شغفٌ
جارَ الغرام عليها جورَ محتكم
مقروحةٍ من صروف البين ما برحت
تسائل القلب عن أسباب حُبِّهم
وما ولعتُ بهم إلا لأن لهم
حسنًا به أبدًا سادوا على الأمم
وما فؤادي على جمرِ النوى جَلِدٌ
إلا لأني أمنّيه بقربِهِم
قد مزَّق البعد ثوب الصبر حين كسا
جسمي الصدودُ رداءَ الضير والضَّرَم
ما كنت أحسب أن الحبَّ يرهقني
مالا أطيق وفيه يُستَحلّ دمي
كلا ولا علمتْ نفسي بأن به
رغمًا يُهان ذوو الأحساب والهمم
مَن حَبَّ أصبح في ذلٍّ وفي نَصَبٍ
وبات في كدرٍ لو كان ذا نعم
هام الفؤاد بهم وجدًا وقد رحلت
روحي اشتياقًا تحيّي تُرْبَ حيِّهِم
كم ذا أخيّلهم ليلاً فيهتف بي
إني أموت ولا أحظى بوصلهم
والموت خيرٌ لمن أمست تقلِّبه
أيدي الملام على النيران بعدهم
دع يا عذول فما في العذل منفعةٌ
إني على لوم عذالي لفي صمم
إني على حفظ ميثاق العهود لذو
حرصٍ وحبلُ ودادي غير منصرم
صعبٌ على الحرّ نقض العهد لو ذهبتْ
عنه الحياة وليس النقض من شيمي
لو ذقتَ طعم الهوى ما بتَّ تعذلني
بل كنت تعذرني أو كنت لم تلم
وكيف يسلو الهوى يا عاذلي دَنِفٌ؟
هل يترك الثديَ طفلٌ غير منفطم؟
فلا بلغت المنى إن حِلْتُ عن شَغَفي
ولا مُنحت الرضا ان لم أَهِمْ بِهِم
ولا سُقيتُ رحيق الوصل إن عدَلَتْ
عن حبهم مهجةٌ عُدّتْ من الخدم
ولا شممْتُ شذا أرجائهم أبدًا
إن كنت أرجو لنفسي غير قربهم
أضنى الغرام شجٍ ذابت حشاشته
مما يقاسي أسىً من طول صدِّهم
يستنكر المسك إن مرَّتْ به سحرًا
من نحو حيّهمُ نسمات طيبهم
طابت ثراهم فلا شيءَ تراه بها
إلا تمسُّك مشتاقًا بتُرْبِهِم
ملوكُ حسنٍ على عرش الجمال سمَوا
جلّوا عن الشَّبْهِ في أوصاف ذاتهم
رقّت شمائلهم حتى تعشَّقَها
كل الأنام وصاروا تحت رِقِّهم
عن التغزّل فيهم ما حلا كلمي
إلا بمدحي لخير الخلق كلهم
الطيّبِ الطاهر الهادي لكل هدًى
كنز الرسالة سرّ اللوح والقلم
إن قلتُ شمسٌ، فنور الشمس مقتبسٌ
من نور طلعته الغَرّا من القِدَم
أو قلت بدرٌ محيَّاه وغُرَّته
فالفرق كالصبح لا يخفى على فَهِم